الاثنين، 25 سبتمبر، 2017

شيء يشبه الرثاء
لروح الصغير (إلياس)، ابن أختي..
غادر الحياة عن شهرين ونصف
عن وعكة خفيفة عارضة،
تاركا ابتسامته البريئة،
متوجها إلى ربه .. رحمه الله!


الخميس، 21 سبتمبر، 2017

يوميات صينية | الجزء الثالث

عن زيارة
مدينتي جوانزو وفوشان
خلال الفترة (12-17/3/2017م)

(16)
لست أدري لماذا كان رسم حروف اللغات الصينية واليابانية والكورية، وأمثالها من اللغات التي تكتب بحروف غير العربية أو اللاتينية؛ لست أدري لماذا كان يشعرني بالنفور. ألأنها تشبه الكتابات البدائية؟ أم لأنها تبدو كالرسوم التي يتعين معها الجمع بين مهارتي الكتابة والرسم؟.. لست أدري، ولم أفكر يوما أن أتمعن قليلا في هذه الكتابة العجيبة.
كنت أقول في نفسي (كلما رأيت هذه الحروف): أي تعقيد بالغ.. أي جريمة جناها اللغويون على بني لسانهم بمثل هذا الرسم؟.. هؤلاء الذين اخترعوا كل شيء؛ ألا يستطيعون اختراع رسم أسهل لحروف لغاتهم..؟!!
وكنت أتفق –إلى حد كبير- مع المعنى العميق للنكتة التي قرأتها يوما ما في مجلة ماجد، ومفادها أن شخصا زار اليابان فأراد أن يحكي لأصدقائه عن أعجب ما شاهده فيها، فقال: من بالغ ذكاء اليابانيين وعبقريتهم أن أولادهم الصغار يتكلمون باليابانية!
الإنسان عدو ما يجهل، وربما لذلك كنت أشعر بالنفور من طريقة الرسم هذه. لكن الأمر تغير قليلا بعد هذه الرحلة. حين كان الباعة يسجلون الفواتير؛ كنت أراقب طريقتهم في رسم حروف لغتهم. لقد كان ذلك يتم بمنتهى البساطة والسلاسة، وهو أمر –لست أدري لماذا- توقعت خلافه!..
وهذا قادني إلى أن أنعم النظر أكثر في رسم هذه الحروف. يبدو أن في داخل بعضها أشباهاً من حروف لاتينية مضافا إليها بعض الزوائد.. تستطيع أن تتبين -مثلا- حرف (A) و (B) و(T) وربما غيرها. مرة أخرى؛ لست أدري إن كان الصينيون هم الذين أخذوا الحروف اللاتينية وقاموا بتعديلات عليها، أم أن العكس هو الصحيح. في كل الأحوال؛ يوحي لي –الآن- شكل رسم الحروف الصينية أنها تعبر -بطريقة أو أخرى- عن العمق الحضاري الضارب للصينيين.
في ويكيبيديا وجدت هذه المعلومة: "تكتب الصينية بنظام كتابة فكرية تسمى (هاندزُ)، التي اخترعت قبل 4000 عام. يحتاج التلميذ إلى 6000 حرف ليقرأ جريدة عادية، وأكثر من ذلك ليقرأ الكتب القديمة. في الصين وسنغافورة يستعملون "الحروف المبسطة" التي لها أشكال مبسطة، لكن في هونغ كونغ وتايوان لا يزالون يستعملون الحروف التقليدية. تكتب أيضا أحيانا بنظام بينيين اللاتيني للتعليم وللأجانب. مجموع الرموز الصيينة أكثر من 60000 أو يزيد والشخص الصيني العادي يعرف ما بين 5000- 6000 رمز أما الأجانب فالذي يتقن اللغة يعرف ما بين 3000 - 5000 على الأكثر"..
وإذن فهذا الرسم قديم، وفيه من الحضارة ما فيه؛ لكنه لا يخلو –بحال من الأحوال- من التعقيد – الذي أظن أن عليهم تجاوزه. وقد قرأت أن تعديلات جرت على هذه الحروف في خمسينيات القرن الماضي، وربما يكون هذا دافعا لإجراء تعديلات أخرى، وخفض هذا العدد الهائل من الحروف!

(17)
ثمة طقوس متشابهة يمارسها الباعة في محلات الأثاث في (فوشان). بمجرد دخولنا المحل، تقطع البائعة التي قد تكون مشغولة بالأكل أو الهاتف أو حديث جانبي مع جاراتها؛ تقطع شغلها أو تنهض من مكانها إن لم تكن مشغولة بشيء لتتبعنا كالظل، وفي يديها الحاسبة. مع كل سؤال من جانبنا عن السعر؛ ثمة طقطقة على الحاسبة، يتلوها الجواب.
لاحظت أن هذه الحاسبات مختلفة الأشكال والأحجام والألوان بين محل وآخر. بعضها كأنه مصمم للنساء فقط، وبعضها من النوع المعتاد.
- هل هذه ملاحظة تستحق التدوين؟
•• ربما يتساءل البعض..
الذي لفت انتباهي في الحقيقة أسماء العلامات التجارية التي تنتمي لها تلك الحاسبات. علامات تجارية لم أشاهدها من قبل، وأغلب الظن أنها صينية، فَسِمَةُ تغيير حرف من علامات تجارية شهيرة تبدو جلية في بعضها، كأن يكون الاسم مثلا (كاثيو) بدلا من (كاسيو)؛ على النحو الذي نشاهده في كثير من المنتجات الصينية في أسواقنا.
على أن هذا لا ينفي وجود علامات تجارية شهيرة مثل (كاسيو) و(شارب) في بعض المحلات، ولكنه وجود خجول جدا بالقياس إلى الحاسبات الصينية.
في أغلب المحلات التي دخلناها كنا نستعين بهذه الحاسبات، لحساب سعر البضاعة بالريال العماني، ولكننا حين استخدمنا حاسبة الهاتف في أحد المحلات لاحظنا أن الحاسبة المستخدمة تعطي قيمة غير القيمة التي تعطينا إياها حاسبة الهاتف.
للوهلة الأولى ظننا أن مشكلة في الحاسبة، وأخطرنا البائعة بذلك. قالت بشيء من الارتباك فيما يشبه الاعتذار: إن ذلك بسبب تفعيل زر أسفل شاشة الحاسبة يقرب الكسور إلى أرقام صحيحة.
كانت تلك مفاجأة غير متوقعة لنا؛ فهذا يعني أن النتائج التي كنا نتوصل إليها في ما سبق من محلات لم تكن دقيقة تماما.
هذه الكسور تصنع أحيانا فارقا معتبرا قد يثبط عن الشراء، ولست أذيع سرا إذا قلت إن هذه هي المرة الأولى التي أعرف فيها بوجود زر له مثل هذا العمل في الحاسبة!

(18)
طوال الأيام التي قضيناها في (فوشان)؛ كان جدول اليوم يبدأ بمغادرة الفندق حوالي الثامنة والنصف صباحا، ثم المرور على (مطعم الإحسان) لتناول الإفطار، ومن هناك –مباشرة- إلى سوق الأثاث، أو إن شئت فقل (عالم الأثاث).
تستطيع أن تحدد مكان البداية في هذا السوق، ولكن بلوغ النهاية منه أمر مجهد حقا، لأنه ممتد بامتداد البصر، وفي كل قسم تدلف إليه اختلاف وجمال ودهشة. من يقول لك إنه استقصى هذا السوق بأكمله؛ فكلامه محمول على أحد وجهين: إما أن يكون على سبيل المبالغة، وإما أن يكون تاجرا قضى أسابيع يصول ويجول في هذا المكان. المؤكد أن أسبوعا واحدا لا يكفي للمرور على كل الزوايا والأركان فيه!
في اليوم الأول لنا في السوق، حين وجدنا أنفسنا في صالة واسعة للأثاث على نحو غير معتاد؛ أُخِذْنا بمنظر الأثاث الذي اجتمعت أنواعه وأشكاله وأقسامه في مكان واحد، كما اُخِذ الناس عندنا بمنظر المجمعات التجارية حين دخلوها أول مرة (كارفور: مثلا)، فرأوا في مكان واحد ما كانوا ينفقون الساعات الطوال في شرائه من أماكن متفرقة في الأسواق التقليدية. تجربة جديدة في التسوق.. هكذا هي تماما!
السوق مقسم ومنظم، ولكننا لم ننتبه لهذا في البداية. بعد يوم أو يومين؛ لاحظنا أرقاما تحدد المكان الذي نكون فيه. المبنى رقم (1) –مثلا-؛ يمتد على مسافة كيلو متر تقريبا، منقسما إلى أربعة أقسام صغيرة (A / B / C / D)، تفصل بينها الشوارع التي تقطع السوق. كل قسم من هذه الأقسام التي يبلغ طول الواحد منها حوالي (250 مترا)؛ يتكون من أربعة أدوار، وأظن أن الدورين العلويين منها يتصلان بنظيريهما في الأقسام الأخرى –إن لم تخني الذاكرة، في أحد المباني (على الأقل)-، فإذا نظرت إليها مجتمعة رأيت ما انقطع من الدورين الأول والثاني لأجل مرور الشارع كأنها أنفاق في المبنى، وعرفت أن هذه الأقسام تنتمي إلى مبنى واحد، وليست مباني منفصلة. لست أدري إن كان هذا السوق ملكا للحكومة، بمعنى أنها هي القائمة على بنائه على هذا النحو، أم أنه استثمار مشروط بمخططات جاهزة؛ لأن مبانيه تتشابه إلى حد كبير.
كنا نقضي في هذا السوق العظيم سحابة نهارنا، ثم يسحبنا المساء منه إلى الفندق، محملين بشيء من التعب وأشياء من الجوع. كان يخفف عنا التعب أن كل ركن تدخله، تتوفر لك فيه فرصة الجلوس على المقاعد المريحة، إضافة إلى شبكة (واي فاي) مجانية. أما الجوع؛ فلم يكن نصيرنا عليه إلا بلوغ (مطعم الإحسان): البعيد عن السوق، القريب من الفندق؛ حيث نتناول وجبة (الغدعش) -كما نقول في بعض دارج اللهجة مزجا بين وجبتي الغداء والعشاء-. ثمة باعة للأكلات الصينية الخفيفة على المداخل والمخارج، ولكن فكرة الأكل من طعام صيني (غير معتاد) لم تكن واردة إطلاقا. إنها فكرة مرعبة، بسبب ما كنا نسمعه من عدم تحرج الصينيين أحيانا من أكل بعض أنواع الزواحف والحشرات.. هذا فضلا (بالطبع) عن كون صفة (الحلال) قد لا تتوفر فيه.
الباعة هنا نادرا ما يقدمون ضيافة لزبائنهم، رغم أن الشراء من عندهم قد يصل إلى مبالغ كبيرة. ثلاث مرات (بالضبط) كانت استثناء من هذا كله. مرة حين قُدِّمَتْ لنا حلوى التمر بالجوز (أشرت لها في يومية سابقة)، ومرة حين عُرضت علينا علب مشروبات غريبة الأسماء، فأبينا إلا الماء. أما الثالثة فكانت في محل يبيع خزانات خشبية وغرفا للنوم. حين جلسنا للمفاوضة على السعر كانت آلة صنع القهوة، محملة بعتادها الشهي من حبوب البُن الذهبية؛ قريبة من مجلسنا، تشير إلينا أن هلموا، فيما بدا أن (رماد) أصحاب المحل قليل أو معدوم!.. وبدافع من الأيام التي مرت ولم تجر فيها على أفواهنا القهوة، ورغبة في استثارة رماد الكرم الصيني؛ أشار أحدنا إلى حبات البن، قائلا (بجرأة متسول محترف): هل لنا في شيء من القهوة؟ .. فكان أن تم لنا ذلك بلطف بالغ من أهل المكان، لنخرج بعدها شاكرين ذاكرين..
في اليوم الثالث أخذنا (جونسون) إلى مطعم تركي، يوفر طعاما حلالا، ويقع في أحد مباني السوق. المطعم تركي بنوعية أكله، ومديره التركي الذي يجلس على كرسي قريب من طاولة المحاسبة؛ أما العاملون فكلهم -حسب ما رأيت- صينيون، رجالا ونساء. تتوفر في المطعم الأكلات التركية المعروفة، ولكنها ليست (تماما) كالموجودة في المقاهي التركية عندنا في عمان. كنا بحاجة لتغيير نوعية الأكل التي داومنا عليها في (مطعم الإحسان)، خلال اليومين الماضيين، وكان المقهى التركي فرصتنا اللذيذة لذلك.
عدت لهذا المطعم مرة أخرى في اليوم الرابع والأخير لنا في سوق الأثاث، أما صديقي أبو هداية فقد أعرض عن ذلك، وآثر أن يستكمل الناقص من الأغراض التي لم يحسم أمر الشراء فيها بعد. حين التقينا لاحقا؛ أخذ يَجُرُّ عليَّ الملامات، واحدة تلو الأخرى؛ أن تركته وحيدا وجائعا!!.. قلت له (مداعبا): أما الوحدة؛ فذلك أمر اشتركنا فيه معا، وأما الجوع فذلك خيار الصالحين والزهاد، ولنعم ما اخترت أنت. نظر إلى بطنه الخالي، وتحسست على بطني الذي امتلأ، وكاد لسان حالنا (معا) أن ينطق بما يشبه المثل السائر: (كملامة جائع لشبعان)!

(19)
حين تود تعبئة سيارتك بالوقود في عمان تقف أمام عامل التعبئة، تخبره بكمية الوقود التي تحتاجها، فيؤدي إليك ما طلبت. يحدث هذا بصورة تلقائية طبيعية دون حاجة لمعرفة شخصية بالعامل أو صاحب المحطة. لم يحدث أن قيل لك أو لي، أو حتى لسائح غريب من قبل العامل في كل محطات الوقود التي نمر عليها هنا أو هناك إن الدفع يجب أن يكون أولا، أليس كذلك؟
يحدث هذا في عمان، وفي دول الخليج عامة، وربما في دول أخرى غيرها قريبة أو بعيدة..
لكن الأمر مختلف في الصين. لنقل إنه مختلف (مبدئيا على الأقل) في جوانزو وفوشان. يذهب سائق السيارة إلى البائع في المحل الملحق بمحطة التعبئة لينقده ثمن الكمية التي يريد تعبئتها من الوقود، ثم يستلم إيصالا يتم بموجبه تعبئة الكمية المطلوبة.
يبدو أن هذا جزء من الثقافة التجارية في الصين، وربما في مثلها من المجتمعات التجارية. أعني أن التجارة تجارة، تسير وفق نظام يجافي العواطف إلى حد كبير. تخفت العواطف والقيم قليلا أو كثيرا في المجتمعات المادية، بحسب قوة حضور المادة أو تراجعها.
الصينيون يمارسون التجارة (بما تعنيه من ربح وخسارة) في اللاوعي.
مما لاحظته أيضا ارتباطا بهذا الجانب أن موظف الاستقبال في الفندق الذي سكنا فيه؛ كان يطلب أن ندفع ثمن إيجار الليالي مقدما إضافة إلى مبلغ إضافي احتياطا لأي تأخر في إخلاء الغرفة. لاحظت أيضا أن جونسون يضع آلة تصوير أسفل المرآة الأمامية في سيارته. كنت أحسب أن هذا نوع جديد من الترف. ولكنه أخبرنا أنه يفعل ذلك حتى يتمكن من تصوير أي حادث يتعرض إليه، فلا يمكن لمن أخطأ فيه أن ينكر، لأنه سيكون قد صور الحادث وسيعرض الصور على رجال الشرطة. يأخذ الرجل حذره من الآن حتى لا يكون الضحية الخاسرة. لا يجب أن يكون محملا بطيبة زائدة فيثق في الناس فيخدع فيخسر. هكذا تبدو لي المعادلة هنا (إلى حد ما)، والله أعلم!

(20)
تستخدم الدراجات في الصين بشكل ملفت للنظر، يقودها الرجال والنساء، الشيب والشباب. دراجات ذات أشكال وأحجام مختلفة، منها الهوائية، ومنها النارية، ومنها ما يمكن أن نسميه -تجوزا- الكهروائية، وهي التي تعمل بالنظامين (الكهربائي والهوائي). في الواقع؛ كان الأكثر لفتا للانتباه هذا النوع الأخير. تم تزويده إضافة إلى الدواسات المعتادة في الدراجات الهوائية، بمحرك كهربائي يستورد الطاقة -فيما أظن- من حركة العجلات، حتى إذا وصل إلى حد معين أمكن استخدامه ليريح السائق قدميه على الدواسة، فلا يحركهما إلا حين تنفد طاقة المحرك.
(الدراجات الكهروائية)؛ هي أيضا شعوب وقبائل شتى، مختلفة في الأشكال والأحجام، ومختلفة في التعبير عن وجودها؛ فمنها الخاشع الذي لا تسمع منه إلا ما يشبه الهمس، ومنها ما يثير شيئا من الجلبة في المكان –إلى حد ما-.
ثمة أنواع بعجلتين، وأخرى بثلاث. ذوات العجلتين –فيما يبدو- للاستخدام الشخصي،  أما ذوات الثلاث فهي لأصحاب المهن، وهي مزودة بصندوق يناسب حجمها لحمل الأغراض. (وبالمناسبة؛ فقد رأيت أشباها لهذه الأخيرة في المجمع الصيني في بركاء، حيث يستعملها بعض باعة المحلات في جلب الأغراض من مخازنهم إلى الزبائن).
حين رأيت هذه العربات أول مرة –في الصين-؛ حسبت أنها نتاج ما طورته الطبقة الفقيرة لتحظى بفرصة التنقل السهل من مكان لآخر، ولكنني رأيت –لاحقا- أن هذه الدراجات يقودها أيضا من يبدو عليه توسط الحال ومنهم من يرتدي البذلات الأنيقة.
ربما يعود تنوع مستويات سائقي الدراجات إلى -ما تسميه إحدى الصحف التي كتبت عن الدراجات في الصين- (نظام التشارك الحر)، وبعبارة أخرى (نظام التأجير)، والمعنى أن عددا من هؤلاء السائقين إنما هم مُستأجِرون لا مُلاَّك، فربما يفضل شخص ذو مكانة رفيعة اسئجار دراجة -حين الزحمة- بدلا من استعمال سيارته الخاصة.
ولعل مما يساهم في انتشار الظاهرة سهولة نظام استئجار هذه الدراجات، حيث يتم ذلك –بحسب الصحيفة- من خلال تطبيقٍ في الهواتف الذكية. يُمَرَّر الجهاز فوق شريط ملتصق بالدراجة فتنفك أقفالها، كما أن قيمة الاسئجار رخيصة جدا، فلكل نصف ساعة نصف يوان (0,07 دولار)، وزد عليه أن الراكب حين يصل إلى وجهته، فليس عليه إلا أن يركن الدراجة حيث شاء!!
وربما تقوم الشركات المالكة لهذه الدراجات بتجميعها لاحقا في أماكن مخصصة، ليتم استجارها من جديد.
حين كنا نمر في بعض الشوارع، كنا نرى هذه الدراجات مركونة في مكان واحد، وكنت أحسب أنها لعمال مصنع أو شركة ما، حتى قرأت الخبر الذي نشرته صحيفة إيلاف الإلكترونية المشار إليه أعلاه.
تضيف الصحيفة أن ثلاثين شركة تعمل في هذه السوق، منها شركات رائدة مثل (موبايك) و(أوفو)، وأن عدد مستخدمي الدراجات المؤجرة في الصين بلغ عددهم في العام الماضي 16.9 مليونا، وهو رقم قد يرتفع إلى خمسين مليونا مع نهاية العام الحالي.


الثلاثاء، 12 سبتمبر، 2017

خَلاَفة ..

ذكرني قول #الشنفرى –في لاميته الشهيرة- واصفا نفسه:

(ولا خالِفٍ، دَارِيَّةٍ، مُتَغَزِّلٍ .. يروح ويغدو داهناً يَتَكَحَّلُ)

بما هو مستخدم في #اللهجة_العمانية، في بعض المناطق من #عمان، من وصفٍ يراد به التنقيص من الرجل أو المرأة، وهو قولهم مثلا: (فلان خَلَافة).

جاء في بعض شروح #لامية_العرب، في معنى كلمة (خالف)؛ بأنه التافه الذي لا خير فيه، كما جاء في شرح المعنى الإجمالي للبيت أن الشاعر ينفي عن نفسه صفات المخنثين التي تتمثل في هذه المظاهر، ومنها (الخَلَافة).

والكلمة في لهجتنا تأتي في مثل هذا الإطار من معنى كلمة (خالف)، وإطار المعنى الإجمالي للبيت؛ مستخدمةً بصيغة المصدر، مراداً بها اسم الفاعل.

جاء في #لسان_العرب ، في باب (خلف): " فأَما الخالِفةُ، فهو الذي لا غَناء عنده ولا خير فيه، وكذلك الخالف" وفي موضع آخر: "الخالِفةُ: الطَّالِحُ ... يقال: إنه لخالِفٌ بَيِّنُ الخَلافةِ".


الأربعاء، 5 يوليو، 2017

خواطر حول حصار قطر 2017م

في النفوس أشياء كثيرة من #حصار_قطر، بصرف النظر عن المواقف السياسية لكل الأطراف في هذا الموضوع. عن نفوس المؤمنين الصادقين أتحدث، وعن نفوس الخيرين من البشر أيا كانت مذاهبهم وطرائقهم في الدين والحياة.

يؤلم المسلم أن ينطلق إعلان هذا الحصار الجائر من أرض تفتخر حكومتها–وحُقَّ لها- بقيامها على أرض الحرمين الشريفين التي جعلها الله مهدا لإصلاح البشرية، والتي انطلق منها نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام مُبَلِّغا رسالة ربه، يدعو إلى القيم الفاضلة العادلة. ويؤلمه أكثر أن يتم هذا في الشهر المعظم، شهر رمضان الكريم، الذي أراد له الله أن يكون شهر التراحم والقربات، ويريد له منطق العبادة الصالحة أن يكون أخلق بالألفة والمحبة بين بني الإسلام، شعوبا ودولا؛ حتى يكون أحد نوافذهم المشرعة على العوالم الأخرى لبيان حقيقة الإسلام.

كما يؤلم الإنسان السوي أن يقوم الأخ على أخيه، وأن يتنكر الجار لجاره، وأن تقع تداعيات الأزمات بين الحكومات على الشعوب. كم أسرة شتت الحصار شملها، وكم من إنسان قطع رزقه بغير سبب منه، وكم من متعلم انتزع من جامعته ولم يبق له إلا القليل ليكمل دراسته، وكم من حُرٍّ أصيل خُوِّن بجريمة التعاطف، وكم من ضعيف أجبر على قول ما لا يريد، وكم من صوت أراد أن يرتفع بالحق فأسكت!

لقد تم حصار قطر بإعلان سريع مفاجئ، كأنما تسحر المسؤولون عنه به، وكأنما أرادوا أن يجعلوه أولى طاعتهم في نهار اليوم التالي. أمر دبر بليل؛ ولليل حُطَّابٌ كثيرون، وما كل من أدلج في الليل بلغ المنزل!

أول الانطباعات التي تكونت لدي حين سمعت الخبر؛ هو التنكر للجميل. فقطر كانت قبل هذا الإعلان العجيب بدقائق معدودة حليفة وصديقة، وتدعم حربهم الشرعية –كما يزعمون- على الإرهاب الحوثي والتمدد الشيعي في المنطقة، وكان بعض أفراد القوات القطرية مرابطين على الحدود السعودية مع اليمن. ولكن (السياسة لا أخلاق لها) -كما يقال-، فلا شيء من هذه القيم يحكم –فيما يبدو- بعض ساسة المنطقة، والله المستعان!

أمر آخر خطر ببالي؛ وهو أن المذاهب (لعبة) في يد الساسة، فليسوا يثيرون أنصارها من حب للدين، وليسوا يُخمدون ثوراتهم من خوف عليه. لا يحرك الساسة مذهب في الدين، وإنما الذي يحركهم مذهب في السياسة. مغفل من يصدق أن الدول التي ترفع شعارات دينية براقة، في اسمها الرسمي أو في حواشي خطاباتها؛ تلتزم بحدود الشرع، وأنها تحركت هنا أو سكنت هناك، بأثر من الدين. أتكلم عن الواقع، لا عن النظرية ولا التاريخ؛ وفي الحروب المشتعلة الآن في محيطنا العربي والإسلامي عبرة وعظة لكل ذي عقل سليم. كمية القتل والتدمير الهائلة التي جرت خلال السنوات الماضية تنبئك أن الضمير المسلم السوي في كثير من القيادات السياسة معدوم، وأن المسألة لا تعدو كونها حربا سياسية بامتياز وذات أطماع مادية، لا علاقة للدين بها، لا من قريب ولا من بعيد.

أمر ثالث يمكن أن يلاحظه المتابع، وهو أن أياد خارجية تحرك هذا الموضوع، فلم تعلن الدول المحاصرة أسبابها إلا بعد أن طولبت بها، وكان ذلك بعد فترة طويلة نسبيا من إعلان الحصار، كما أن تلك الأسباب التي أعلنت لاحقا لم يكن (أغلبها أو كلها) جديدا، بل كانت مطروحة منذ زمن، فما الذي جَدَّ الآن؟ ومتى كان اختلاف الرأي والتوجهات السياسية بين دول الخليج (التي كانت مثالا رائعا للتعاون والتنسيق) مدعاة لإعلان الحرب على بعضها؟ متى مَسَّ الخليجيين الطمع في خيرات بعضهم ومكتسباتهم؟ ألم يكن في اللجان المشتركة وسيلة لتجسير الخلافات، وحل المشكلات، والتوفيق بين الآراء على نحو يحفظ سيادة كل دولة؟ .. كل هذه التساؤلات تدل على أن أياديَ عابثة هنا أو هناك حركت بعض مغموري السياسة في دول المنطقة. لا أحب العيش في إطار نظرية المؤامرة، ولكن التصريح بأن منظمة مثل #حماس إرهابية، فيه ما فيه الدلالة.

في البال أيضا؛ أن حصار #قطر أظهر الدولة التي يراد لها أن تضعف بمظهر القوة والشجاعة، والعكس صحيح؛ فبالقدر الذي ظهرت به القيادة القطرية متزنة متماسكة حيال الأزمة، على مستوى التحركات الدبلوماسية، وتصريحات المسؤولين، والخطاب الإعلامي، وغيرها؛ كانت دول الحصار مأزومة مرتبكة، أظهرها بمظهر ضعيف مخجل. خذ مثلا على ذلك: الارتباك في مسمى الحملة على #قطر، أهي مقاطعة أم حصار؟ وهل الحظر على الطائرات القطرية فقط أم كل طائرة تنوي دخول الأجواء القطرية؟ تأمل أيضا في ما تمخض عنه المؤتمر الصحفي أمس، الذي علق عليه بعض المغردين ببيت جرير الشهير (زعم الفرزدق أنْ سيقتل مربعا،، أبشر بطول سلامة يا مربعُ!).. وقس عليه ما لاحظه كثيرون –للأسف- من لجوء بعض المسؤولين السياسيين والإعلاميين والدينيين والثقافيين في بعض هذه الدول إلى كلام غير لائق أو غير مقنع أو غير ذي صلة يستقوون به أمام شعوبهم، من نحو قولهم: إنهم على استعداد لتقديم إغاثة للشعب القطري، أو إن الحصار لمصلحة القطريين، أو إن المعدة القطرية لن تتحمل الألبان التركية وستضطر لاستجداء الألبان #السعودية، أو وجوب مقاطعة المثقفين القطريين، أو التهجم بكلام سوقي على أمير #دولة_قطر في الصفحات الرسمية لقنوات حكومية في بعض دول الحصار، وغيرها من العراك العجيب الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي سبا وشتما بأقذع ما يُتفوه به. كان هذا كله يحدث في رمضان، دون مراعاة لحرمة الشهر، ولا لحُرَمٍ غيرها، والله المستعان!

خطر ببالي أيضا؛ أن في الأزمة شيئا من لعنة الحرب على #اليمن. كل من شارك في هذه الحرب الهوجاء، سيدفع ضريبتها عاجلا أم آجلا. كلٌّ بقدره. وتلك –لعمر العدل- ضريبة واجبة؛ فهذه الحرب الظالمة التي نشأت بزعم دحر قوى الشر، ما كانت -منذ بدأت- إلا شرا على اليمن حضارة وشعبا ودولة!.. أما الحوثيون وأنصار المخلوع؛ فقد صاروا -بعد حين من الحرب- جزءا من المشهد السياسي الذي يتعين محاورته –كما جاء في تصريحات مسؤولين في بعض هذه الدول-، ليتساءل مغردون ساخرون: فعلام كانت الحرب إذن؟!!

أمر أخير؛ وهو أن هذه الأزمات تكشف السياسة الحكيمة للسلطنة في النأي بنفسها عن بؤر النزاع والتدخل في شؤون الآخرين، ومد جسور المحبة والسلام إلى كل شعوب العالم ودوله. (السلام) خيار استراتيجي، يتفوق بكثير على خيارات استراتيجية أخرى. تنطع الكثيرون في الداخل والخارج، غير راضين عن رفض #عُمان الوحدة الخليجية، وعدم انضمامها إلى ما يسمى (#عاصفة_الحزم)، واستقلال رأيها في تحديد (العدو) و(الصديق)؛ ولكن الأيام أثبتت رُشد نهجها، ففي الأزمة الحالية دلالة على عدم وجود أسس حقيقية تؤهل للوحدة الخليجية، وفي مأساة شعب اليمن أبلغ دليل على أن الحرب لم تكن خيارا حكيما، وفي كثير من الملفات حفظت السلطنة مكانتها العالمية كوسيط نزيه بعيد عن الأطماع. فلله الحمد أولا وأخير، ولجلالة السلطان المعظم الشكر الجزيل، ولكل مسؤولي السياسة الخارجية العمانية التحية والإجلال.

آخر هذه الخواطر؛ الدعاء لله أن يحفظ بلدنا عمان آمنة مطمئنة عزيزة قوية، وأن يجمع شمل الأشقاء على أساس من الاحترام والمودة، وأن يعود الخليجيون إلى كنف مجلس التعاون عودة الكيِّس الفطن، وأن يتفهم الجميع أن لكل دولة وشعب الحق في تقرير ما يريده، وأن الأخوة والصداقة بين الدول والشعوب لا تقتضي –بأي حال من الأحوال- ألا يكون خلافٌ في الرأي والتوجهات إزاء القضايا الإقليمية والدولية، وأن يؤمن الجميع بأن المصلحة العليا والقوة الحقيقة إنما هي في الاصطفاف معا ضد التهديدات الخارجية وتقوية أدوار مجلس التعاون والجامعة العربية بما يجعل المؤسستين فاعلتين إيجابا لخدمة الشعوب الخليجية والأمة العربية، وأن يبعث في الأمتين العربية والإسلامية ولاة صلاح ورشد يحسنون السعي وراء كل خير ويتقنون النفرة من كل شر، والله الموفق.


الثلاثاء، 4 يوليو، 2017

بِـــــرٌّ


تدوينات رمضان 1438 هـ
‏**

#رمضان فرصة حقيقية للتغيير.
راجع أيامك الفائتة، وخطط لأيامك القادمة، واسأل نفسك -بين المراجعة والتخطيط- كيف أكون أفضل؟

#بر | 1

**************

صام رسول الله تسع رمضانات، وأنا وأنت لا ندري كم رمضانا سنصوم. ماذا لو كان (#رمضان) هذا هو الأخير؟ هل ينبغي أن يعني هذا لي ولك شيئا ما؟

#بر | 2

**************

معنى الصلاة: (الدعاء).
تحسس هذا المعنى بقلبك. تخيل أن (الصلاة) شكل من أشكال التواصل بينك وبين ربك، أداتُه جسمك كله لا لسانك فحسب!

#بر | 3

**************

ثمة من يصوم 21 ساعة في رمضان، وثمة من يصوم اليوم واليومين. ثمة من يُصَوِّمُه الدين، وثمة من تصومه الحياة. أين تجد نفسك من هؤلاء؟

#بر | 4

**************

يُقَرِّبك لله، ويشفع يوم القيامة.
يعزز المنــــــــــــــــــاعة، ويشفيــــــــــــك من سقم.
يعلم النظام وإدارة الضغوط، ويدرب على الاسترخاء.
••
انظر لصومك بحب!

#بر | 5

**************
في الغالب؛ يمارس (الحلاق) عمله صامتا.
يعلمك –من حيث لا تشعر، ولا يشعر- فضيلة الصمت.
حكيـــــــــــــــــــــــمٌ غفلت عنه كتب الحكمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة،
وذو حظ من العلم -وإن لم تسعفه المهنة أو الظروف- أغفلتْنا عنه الحياة!

#بر | 6

**************

في الشهر الذي أنزل فيه القرآن؛ جرب متعة أخرى مع القرآن.
قل لنفسك -كلما فتحت المصحف-:
ماذا يريد الله أن يقول لي هذه المرة؟

#بر | 7

**************

‏يظهر معدن بعض الناس من طريقة مصافحتهم.
لم تَثْنِهم وجاهةٌ و لا مالٌ عن مدِّ يدين اثنتين دافئتين لمن هو أقلُّ منزلة منهم وأكثرُ اختلافا عنهم!

#بر | 8

**************

‏كان لنا جار سِكِّير؛ يشرب الخمر ويبيعه. وحين أقام بعض أهله مسجدا قريبا من بيته؛ استقام في صدره صرحٌ شامخ للتوبة، وأصبح من المصلين!

#بر | 9

**************

شممت مرة عطرا جميلا في زميل، لم أكن أنتبه إليه من قبل ،
فأصبحت أختار أقرب مكان إليه كلما أتى.
#العطر موقف ورسالة ؛ فانتبه ..

#بر | 10

**************

بدلا من (نعم) المقتضبة؛ يبدأ #الشيخ_حمود_الصوافي رده على المكالمات بالسلام.
يمد الرجل الصالح حبلا من اللطف، وما يدريك من يتعلق به!

#بر | 11

**************
‏قال لي ولدي ذو الثلاث سنين: أبي أنا أحبك.
قالها في مكان عام، بصوت مسموع؛ فكدت أحرج!
- هل تبعث المحبة الطاهرة أو الواجبة على الحرج؟

#بر | 12

**************

العامل الذي يعمل تحت الشمس؛
بينما كان يُنفق ماء جسمه مرهقا، كان ينفق ابتساماته راضيا مسرورا. 
كان الرجل يتصدق..
أيُّ رِضاً، وأيُّ جلال!

#بر | 13

**************

عرفنا ونحن صغار أن الشياطين تُصَفَّد في #رمضان فمشينا آمنين في دروب القرية المظلمة. كان الظلام أحد مخاوفنا الكبرى، في ذلك العمر.
وحين كبرنا؛
عرفنا أن في الشهر أمانا -لمن اجتهد فيه وأخلص- من ظلمات كبرى يوم القيامة، وتلك هي المخاوف التي يتعين أن نؤمن أنفسنا أكثر حيالها.
تأمل.. كيف تنمو المفاهيم!

#بر | 14

**************

سألته: لم لا تفتح حسابا في مواقع التواصل،
فتعلم نبض الشارع من حولك؟
أجابني (بما لم أتوقع): لم ينبغي أن أعلم ذلك؟
بعد تفكر؛ بدا لي جوابه مقنعا.
أليست بعض المعرفة تُجَوِّع أكثر مما تسمن، وتُشْقي أكثر مما تريح.

#بر | 15

**************

"إن الله كتب الرفق على كل شيء"..
كن ودودا لطيفا مع كل أشيائك. أقم بينك وبينها ما يشبه العلاقة بين الناس من مشاعر وأحاديث وحكايات.

#بر | 16

**************

مع من تحب، وفي المكان الذي تحب؛
اترك توقيعا لا يشبهك فيه أحد!
••
"الغالية و(العديمة)؛ لا تنسيْنا من دعائك"
توقيعي مع #أمي نهاية كُلِّ مكالمة

#بر | 17

**************
طالعت المرآة فرأيت فيها أخي المسافر بعيدا. هذا وجهه وتلك نظرته. اكتشفت الشبه الذي يتحدث عنه الآخرون، ولم أكن أشعر به. شيء ما في تلك النظرة لفتني إلى معنى طالما شغلتني عنه نمطية العلاقة. شيء ما هزني، وقال لي: أتدري ما معنى أن يكون لك أخ!
أحببت أخي كما لم أشعر بهذا من قبل واشتقت إليه. احتفظوا بإخوتكم في مكان عميق من القلب.

#بر | 18

**************

أضيق أحيانا بكثرة ما يُحَيّي #أبي من يمر عليهم.
وفي لحظات الهدوء أكتشف أن أبي كان يقوم بعمل عظيم.
أليس إفشاء التحية يُفشي السلام؟

#بر | 19

**************
يرى أولياء الله الصالحون في المذاهب طريقة لعبادة الله ومحبة الناس.
لقد عرفوا أن الله أجَلُّ من أن يُتَعبّد بسيئ القول وقبيح الفعل.

#بر | 20

**************
(إياك و ما يعتذر منه)..
 اتخذَها شعارا؛ فكان يُعيد النظر في كتاباته مرات قبل النشر، لئلا يسيئ بلا قصد، أو يخطئ فيما حقه الضبط والدقة.

#بر | 21

**************

عياذا من الغيرة أو الحسد؛
أيما إنسان ناجح رأيت،
فانظر إليه كمعلم واجب الاحترام،
وإلى صفاته الجميلة كدرس واجب الفهم.

#بر | 22

**************

يقول المشتغلون بتنمية الذات
إن الغنى مشاعر قبل أن يكون أرقاما في البنك.
جدد شعورك بالوفرة والامتنان والرضا.
#تفاءل بأن القادم أجمل!

#بر | 23

**************
كنا نقول (من حُبٍّ له): عسى أن يتم الأمر.
وكان يقول (من إيمان بالله): إن كان الله قد كتبها لي فستكون من نصيبي.
مرت أعوام على خطبته الأولى تلك، حتى عرفنا أن نصيبه كان في مكان آخر بعيد!

#بر | 24

**************

قبيل محطة الوقود بقليل؛ فرغ خزان الوقود تماما.
ساعدني عمال باكستانيون لدفع السيارة.
-كم أدفع لكم؟.. قلت لهم مازحا.
قالوا: يكفينا الدعاء!

#بر | 25

**************

(#الصديق الجيد مستمع جيد) ..
هكذا يقولون، ولقد كانت الصفة التي حبَّبت إليَّ أحد أصدقائي هي حسن استماعه!

#بر | 26

**************

مررتُ مرةً على شرطي يمسك بجاروف،
يساعد به عامل النظافة الوحيد،
في الشارع الذي انقلبت فيه شاحنة كبيرة محملة بالرمل!

#بر | 27

**************

‏زرت أحد المشائخ برفقة أصدقائي. مرر الشيخ أسماءنا على لسانه: جمال، صالح، حسن، ثم قال: أسماء جميلة. كان الشيخ يُضيّفنا بمودته قبل مائدته!

#بر | 28

**************

لي صديق حسن التدين. لم يصرفه تعبده عن نصيبه من الدنيا. وكما تفيض عيناه من عبرة أو موعظة؛ يكاد يشرق بالضحك في لحظات اللهو البريئ!

#بر | 29

**************


يقول #الرافعي: (العيد إشعار هذه الأمة بأن فيها قوةَ تغيير الأيام، لا إشعارها بأنّ الأيام تتغير).. هل فكرت في أن العيد يمكن أن يكون بداية جيدة لكل مشاريعك الخَيِّرة المؤجلة!

#بر | 30



الاثنين، 1 مايو، 2017

يوميات صينية | الجزء الثاني

عن زيارة
مدينتي جوانزو وفوشان
خلال الفترة (12-17/3/2017م)

(10)
كان (جونسون) في استقبالنا حين وصلنا مطار جوانزو. رجل ثلاثيني طيب، يبدو ودودا، وقد استقبلنا بلطف بالغ. ظننته مسيحيا، وسأله صديقي: لا يبدو اسمك صينيا.. أليس كذلك؟
ابتسم، وقال: هذا صحيح. هذا اسم اخترته بنفسي تسهيلا على أمثالكم ممن لا يُحسنون الصينية. ثم ذكر لنا اسمه الحقيقي وكان اسما يتطلب نطقه لياقة عالية في الحلق واللسان والشفتين، وحتى الأنف 😓!
"حسنا فعلت يا رجل، و إلا لكنا تجرعنا الغصص من عدد المرات التي نخطئ فيها حتى ننطق اسمك على وجهه الصحيح"..
-     هكذا قلت في نفسي.
يطمح (جونسون) إلى تعلم العربية، وربما يتم له ذلك في السلطنة في إحدى المؤسسات الحكومية أو الخاصة؛ بالتنسيق مع صديق له عماني.
دار الحديث بيننا دوائر، وسألناه إن كان السؤال عن الأديان في الصين يثير حساسية لدى المجتمع. وحين ابتسم متعجبا وقال: "لا.. لا توجد أية حساسية مطلقا من هذا الأمر"؛ سألناه عن دينه، فقال: "لا دين لي حتى الآن. كثير من الناس هنا لا يدينون بديانة معينة. لم أقرر بعد أيَّ دين أتخذ"!!
لا يمثل الدين لـ (جونسون) وأمثاله أولوية في الحياة. يبدو –من كلامه- أنه ينظر إليه كما ينظر إلى شراء السيارة أو بناء البيت أو الزواج أو الوظيفة..  مشروع مؤجل، وفي أحسن الأحوال فوق الكمالي وتحت الضروري!
سأله أحدنا: ما الذي يمنعك من أن تتخذ لك دينا أيا كان؟
أجاب: فكرت في أن أكون مسلما، ولكنني لم أحمل ذلك على محمل الجد؛ فأن تكون مسلما هنا يعني أن تترك اللحم الطازج المتوفر بكثرة وتكتفي باللحم المثلج. هذا أمر صعب.
- ماذا تعني؟ لم نفهم!
- المسلمون لا يأكلون لحم (الخنزير)!
في لقاء لاحق، قريبا من مكانٍ للصلاة في أسواق الأثاث في (فوشان)؛ أصر (جونسون) على الصلاة معنا رغم (لا دينِيَّتِه). كان يجهر بالتكبير، كما يفعل الإمام، ولكنه يعجز عن تلاوة ما نتلوه سرا، فيلزم الصمت. سألنا بعد الصلاة عن ما نردده في السر، فأشرنا إلى الفاتحة في مصحف مترجم للصينية كان في المصلى.
بدا لي أن الرجل لديه اهتمام ما بموضوع اتخاذ الإسلام دينا، وأن الأمر لم يكن مجرد حديث عارض كما حسبت أولا. حين خرجنا قلنا لـ (جونسون): الصلاة خطوة مهمة في الطريق إلى الإسلام، ولكن ثمة أمور قبلها، يتعين عليك معرفتها والإتيان بها. ستعرفها بالقراءة والاطلاع. يمكنك أن تبدأ من ترجمة صينية للقرآن الكريم (وكان قد أخذ صورة بهاتفه للمصحف). وحين تقرأ، فتصل إلى قناعة أكيدة أن الإسلام هو الدين الحق؛ فإن تلك هي اللحظة المناسبة تماما لأن تعلن إسلامك، لأنه سيكون إسلاما لا يقبل الشك ولا التردد، ولا القلق من عدم توفر لحم تأكله، أو أي شيء آخر من أمور الحياة.

 (11)
لست أدري لماذا خطر لها أن تقول ما قالت. كان ذلك في ركن من أركان سوق الأثاث الضخم. أعجبني المعروض، فوقفت عنده. ومن العادات التي استنها البائعون –حسب ما رأيت- ألا يبتدئونك بالكلام إلا حين تلمس الأثات، وتقف وقفة المشتري الباحث لا وقفة المتفرج المار. كنت أقول للبائعة وهي تتلو عليَّ تفاصيل الأثاث الذي تعرضه: إن علي أن أستشير قبل أن أقرر، وأردفتُ: أذواق النساء تختلف عنا نحن الرجال –كما تعلمين-. أومأت برأسها موافقة، وسألت وهي تصطنع ابتسامة: أهي صديقتك؟
كدت أقول: بسم الله.. لماذا يتعين أن تكون هذه -التي أستشيرها- صديقتي؟!!
(لم يخطر ببالي تلك اللحظة أنني في الصين؛ حيث كلمة (مطوع) لا توجد في قاموس اللغة ولا الحياة، وإيحاءاتها غائبة –من باب أولى-، وبالتالي فإن سؤالا من مثل هذا قابل لأن يطرح على الجميع، من له مثل هيئتي ومن له غيرها)
قلت لها وقد أخذتني الدهشة: لا لا .. إنها زوجتي! واستطردت: أنا مسلم، والمسلم لا يتخذ الخليلات. رفعت حاجبيها ومطت شفتيها علامة التشكيك فيما أقول، فأردفت: أتكلم عن المسلم الجيد المحافظ على دينه، وأما المسلمون الذين يفعلون خلاف ذلك فهم على جانب كبير من الخطأ.
لست أدري إن كان جوابي قد أثار حفيظتها أم لا، ولكنها قالت بأسلوب فيه شيء من الهجوم: مسلم .. لا شك إذن أن لديك أكثر من زوجة!
ابتسمتُ، وقلت: ليس كل المسلمين سواء في التفكير. لدي زوجة واحدة، وهي امرأة رائعة جدا.
فوجئت بأنها صفقت وتهللت أساريرها انتصارا لبنات جنسها، وقالت: ممتاز.. ممتاز.. أنت رجل ممتاز. نعم.. زوجة واحدة فقط.
ثم قالت منكسرة كأنها تشكو المجتمع الذي يشجع رجاله على اتخاذ الخليلات: بلغت الثلاثين من العمر، ولم أتزوج بعد!
حين خرجنا من المكان بعد أن استلمت فاتورة الشراء، ودعتنا بحلوى مغلفة (تمر محشو بالجوز، وتلك هي المرة الوحيدة التي أكلت فيها تمرا في الصين). وحين ابتعدنا قليلا -وكان أثر جوابي الأخير ما يزال باديا عليها-؛ فوجئت بها تلتفت إلى جاراتها وهي تقول بصوت عال فيه فرح: (هيه.. إن لديه زوجة واحدة فقط!)، وتمضي معهن في حديث بلغتهن الصينية، لا أفهمه بالطبع، ولكنني أستطيع –إلى حد ما- أن أتبين معالمه؛ كأنها تحدثهن بأعجب ما سمعت ورأت، في هذا اليوم، أو في عمرها كله!!

(12)
للصينيين في عرض سلعهم مذاهب. منهم من يستخدم الطرق المعروفة؛ تقليدية كانت أو جديدة، ومنهم من يستخدم طرائق مبتكرة.
على مدخل سوق الأثاث في (فوشان) مثلا؛ يتلقى بعضهم الزبائن الذين يبدون غرباء يقلبون النظر في الطرقات حيرى بين يمين ويسار، فيشير بيده إلى جهة معينة؛ تحسب أنه (من لطفه وحسن خلقه) عرف حاجتهم فقرر المساعدة، فإذا به يدلهم على محله الذي قد يكون قريبا أو بعيدا من المكان الذي يقف فيه؛ ومنهم من يقوم بتوزيع منشورات ترويجية، فيها وصف لدكانه البعيد عن المدخل، على نحو ما تفعل المحلات الكبيرة عندنا حين تكون لديها عروض جديدة.
وفي سوق الإلكترونيات في (جوانزو)؛ لاحظت طريقة مبتكرة للدعاية في بعض المحلات. يكتب الزبائن انطباعاتهم عن المحل في أوراق (A4)، بقلم كأقلام السبورة، ثم يعمد أصحاب المحل إلى تعليقها في إطار جعلوه تحت السقف، فكلما أضاف زبون انطباعا في ورقة جديدة جعلوها إلى جانب أشباهها، حتى لكأن تلك الأوراق ملابس معلقة على حبل غسيل ملفوف على أركان المحل، أو كأنها جزء من الديكور الذي يزينه.
الطريف أو الغريب أن الغالبية العظمى من هذه الانطباعات المعلقة –إن لم تكن كلها- كانت لزبائن عرب، فهي مكتوبة بالعربية؛ منهم من يمدح السلعة الموجودة فيه، ومنهم من يثني على القائمين عليه، وبعضهم يتغزل في البائعة إن كانت أنثى، وهكذا.. هم في انطباعاتهم شعوب وقبائل –وأظنهم- لا يتعارفون! .. ولست أدري إن كانت كتبت بإيعاز من أصحاب المحل أم أن نشوة الشراء دفعت الزبائن إلى ذلك. كما أنني لست أدري إن كان أصحاب المحل قد استعانوا بمترجم يترجم لهم المكتوب قبل تعليقه أم أنهم وضعوها مباشرة؛ فمجمل ما رأيته مدح وثناء، باستثناء عبارات يسيرة لا تشكك في جودة المعروض ولكن في أسعاره إلى حد ما.
أما أطرف الدعايات؛ فقد كانت في أحد المحلات التي تعرض مجموعة من الخِزانات والطاولات والدواليب ونحوها. كان في كل ركن منه دعاية ورقية عن تنزيلات في الأسعار، ولكن أصحاب المحل لم يكتفوا بذلك، بل عمد أحدهم إلى الوقوف على فردة دولاب مفتوحة للتأكيد على متانة الصنع، فبدا كأنه رجل آلي، يقف على الفردة برهة ثم يهبط منها.
حين اقتربت منه؛ قال لي: انظر إنه قوي بما فيه الكفاية. تعجبت فعلا؛ كيف لهذه الفردة التي تبدو ضعيفة أن تتحمل ثقل هذا الإنسان واقفا -وإن كان هزيلا-. سألته: هل يمكنني أن أجرب؟ وبدون تردد وبابتسامة عريضة أجاب: أكيد يمكنك أن تفعل ذلك، إنه قوي متين، تفضل. حين صعدت على الفردة المذكورة لم تتمالك المسكينة نفسها فتخشعت من هول ما أصابها. اعتذرت وأنا أضحك، بينما كان الصيني يحك رأسه، وعلى وجهه مظاهر مختلطة من خيبة أمل واعتذار وشك ودهشة. كان يردد: لا بأس.. لا بأس..
بدا لي –لحظتها- أنه يفكر في طريقة أخرى للعرض غير التي جربها من قبل حتى لا يفاجأ بأشد مما حصل قبل قليل، فيما كنت أدعو زميلي إلى المسارعة بالخروج من هذا المحل إلى آخر غيره!

 (13)
لم يجد (جونسون) حرجا –في إحدى المرات- من أن يدخل إلى دورة مياه مخصصة للنساء. كان في السوق دورة مياه للرجال وأخرى للنساء، وفي كل واحدة منهما حمامان.  ظننته سينتظر لحين فراغنا، ولكن يبدو أنه لم يجد داعيا لذلك. ربما لأنه لم يرَ أي امرأة بالقرب من المكان. ولكن ماذا لو أتت إحداهن فوجدته.. ألن يمثل هذا حرجا بالغا؟!..
لم تحن فرصة مناسبة لأسأله، ولكنني ربطت هذا -لاحقا- بما لاحظته من أن خصوصية المرأة في هذا البلد ليست على النحو الموجود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأنها –ربما- تتضاءل بمرور الأيام حتى لن يوجد فرق يذكر بين الجنسين في كل شيء.
حين كنت أحدث زوجتي عن هذا الأمر، ذكرت لي مفهوما يسمى (مفهوم الجندر) أو (النوع الاجتماعي) في مقابل (النوع البيولوجي)، وحين (جَوْجَلْتُ) المفهوم وجدت أنه ظهر في ثمانينيات القرن الماضي متداولا في قاموس بعض الحركات النسوية الغربية؛ ويقصد به (اختصارا) عدم التفريق بين الجنسين على أساس الهيئة التي خلقا عليها، والطبيعة الفطرية لكل منهما؛ وإنما على أساس الخصائص والأدوار الاجتماعية التي تتغير بمرور الزمن وتتباين من ثقافة لأخرى بحسب أسلوب تنظيم المجتمع.
يبدو أن هذا مطبق في الصين؛ فالزائر لا يكاد يتبين فرقا في سوق العمل الصيني بين الرجل والمرأة. يمكنك أن تجد المرأة في كل عمل.
مشينا –مرةً- من الفندق إلى السوق، وكان الطريق طويلا بعض الشيء؛ فمررنا على عمال بناء، بينهم امرأة تعمل في خلط الإسمنت وسكبه وترتيبه في الجدار. لم أشاهد -من قبل- امرأة تعمل في مثل هذا المجال، –ولم يخطر ببالي مثل هذا المشهد!
وفي طريق الرجوع لاحظت محل حلاقة؛ العاملون فيه والزبائن من الرجال والنساء، بدون خصوصية لأي جنس.
ولم تخْلُ المطاعم التي دخلناها، العربية والتركية والصينية المسلمة؛ من نساء يعملن في غرف التحضير وتوزيع الأطباق على الزبائن. المرأة حاضرة بقوة في الأسواق.
سوق الأثاث في (فوشان) يمكنك أن تسميه (مثلا) سوق النساء. هذه التسمية ليس لأن أغلب من يرتاده من النساء، وإنما لأن حوالي 99.9 % من الباعة في الأركان من النساء. البائعون من الرجال يعدون على أصابع اليد الواحدة. ثمة محل أو اثنين –فقط- كان البائعون فيها رجالا.

 (14)
كان وصولنا إلى (فوشان) في وقت متأخر نسبيا من الليل. دخلنا مطعما يمنيا، وفيه صرفنا بضع مئات من الدولارات. قال لنا مسؤول المطعم (وهو يمني من تعز) إنهم يقدمون خدمة الصرافة بجانب خدمة الطعام، وإنهم معتمدون من الجهات الرسمية في هذا الجانب. قبل أن نغادر؛ حذرنا من بعض الصرافين المتجولين، حيث يقوم بعضهم بالصرافة بأوراق عملة مزورة.
لاحقا؛ رأينا هؤلاء الصرافين المتجولين في سوق الأثاث. يجوبون بنشاط وحيوية بين الناس والأركان، ويتسللون إلى الزبائن الأجانب لعرض خدماتهم. لدى كل واحد منهم حقيبة صغيرة، يبدو أنها -في الأغلب- مُحَمَّلة بأوراق العملة الصينية، ولكنني لاحظت أن بعضهم –بعد أن يعرف المبلغ الذي تريد صرفه- يضطر إلى الذهاب إلى مكان ما ثم يعود بالمبلغ كاملا. ربما يفعل ذلك إذا كان المبلغ أكبر مما هو متوفر لديه. ويبدو أن هؤلاء يرتبطون (أصلا) بمكاتب صرافة (بوظيفة فيها، أو بمصلحة مشتركة)، يصرفون منها بالسعر المعلن للصرف، ثم يستفيدون من فارق صغير في السعر يُحْدِثونه لمصلحتهم.
مثل هذا النوع من التجارة لا وجود له إلا في سوق عالمي، فتأمل كيف أن عالمية الأسواق تفتح من المهن والأعمال الشيء الكثير!

(15)
يقع قبالة الفندق الذي نزلنا فيه في مدينة (فوشان)؛ مطعم (الإحسان). مطعم صيني تديره عائلة مسلمة.  يعمل فيه الأب والأم واثنان من أولادهما وزوجتا الابنين. حين تتجه إلى المطعم تستقبلك لافتته الإلكترونية مكتوبا عليها مسماه باللغة العربية، بلون أخضر، إلى جانب المسمى باللغة الصينية.
وحين تدلف إلى الداخل ترى لوحات معلقة على الأركان، بعضها (فنية تشكيلية) تمثل حضارة مسلمي الصين، وبعضها (دينية إرشادية) حول حرمة الخمر وعدم الإسراف في الطعام وغيرها. أليس يبدو غريبا أن يضع مطعمٌ لافتة تحث على عدم الأكل الكثير؟.. كان المكتوب حديثا نبويا (لا أتذكره الآن)، وكان قريبا في معناه من قول العرب المأثور (المعدة بيت الداء)!.. يبدو الحس القيمي واضحا في هذا المطعم، وقد ذكرتني لوحاته بمصطلح (الدعوة الصامتة). لاحظت أيضا أن هذه اللوحات الإرشادية، يتكرر فيها (اللون الأخضر). لست أدري إن كان هذا جزءا من الهوية المسلمة في الصين أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ثيمة فنية.
المطعم صغير –إلى حد ما-، ولكن زبائنه كثر لا ينقطعون؛ المسلمون وغيرهم، من الصينيين وغيرهم!
أول وجباتنا فيه كانت على الإفطار. لم نكن نحلم بالكرك، فهذا شيء يعز حتى في بلدان قريبة، ولكننا فوجئنا بأن الشاي الأحمر –أيضا- لا يتوفر معه خيار الخلط بالحليب. علبة حليب الشاي لا تتوفر أصلا، ولم نرها في أي محل!
تتوفر في المطعم وجبات مختلفة للإفطار وكلها ذات علاقة بالبيض. اقترح علينا صديقنا الذي أوصانا –قبل السفر- بهذا الفندق والمطعم، (كان حاضرا معنا، وله مصالح تجارية مستمرة في الصين)؛ اقترح علينا تجربة الحساء.
حساء لذيذ مع الخضار، تستطيع أن تطلبه مع كل الوجبات، رغم أنه ينتسب (من رائحته وطعمه) إلى الغداء أو العشاء. في هذا الحساء، وفي مشاكيك اللحم -التي طلبناها مرة على العشاء-؛ تطعم البهارات. بهارات ذات طعم طيب، غير البهارات المعتادة عندنا وإن لم تكن بعيدة عنها.
وفي الخبز الذي طلبناه -غير مرة- لا تطعم الملح أبدا، ويبدو أن منطقهم في هذا أنه سيؤكل مع مالح فلا داعي لتمليحه أيضا.
تتقاسم الأسرة المهام في المطعم. الطبخ للنساء، وعلى الرجال تقديم الطعام للزبائن. أكثر من يتعامل مع الزبائن الأبناء؛ أما الأب فيبدو أن مهمته الأساسية –حسب ما لاحظت- تتمثل في الإشراف العام وتزويد المطعم بما يحتاجه من الخارج.
تبدو على الأب ذي المحيا السمح سيماء التدين. يضع على رأسه (الكمة) البيضاء المعروفة بين مسلمي آسيا، وفي كل صباح كنا ندخل فيه المطعم كان يتخذ طاولة على مدخل المطعم، يقرأ فيها القرآن مستعينا بالمصحف المعلم، يردد خلفه الآيات آية آية. شدني المنظر وطلبت منه أن يسمح لي بتصويره ولكنه –لأمر ما- أبى وهو ينظر إلي نظرة لا تخلو من استغراب.
حين دخلنا المطعم أول مرة وجدنا فيه ثلة من المسلمين الصينيين، هيئتهم كهيئة الأب، يتحلقون حول طاولة واحدة. سحب أحدهم كرسيه باتجاهنا، وأقبل عليَّ يحدثني بعربية مكسرة وكلمات قليلة. فهمت منه أنه يسأل من أي بلد نحن، فقلت له: من عمان. لم يَبْدُ عليه أنه فهم، فاستطردت: قريباً من مكة. هز رأسه، وأخذ في حديث لم أفهم أكثره ولكنني استطعت تمييز كلمات (صدقة) و(مسجد) و(مسلم). كان الرجل فيما يبدو يحدثني عن مسجد للمسلمين ويحثني على الصدقة. ختم حديثه إليَّ بتوجيه الدعوة لحضور صلاة الجمعة معهم، ولكن ذلك لم يتيسر لنا للأسف!
في الجلسة نفسها كان أحدهم ينظر باتجاه أحد أصدقائنا، وإذا به يهوي فجأة ليتحسس شعر صدره الكثيف. كانت مفاجأة أضحكتنا، وكان الرجل الصيني يتحسس هذا الشعر -الذي يبدو أنه لم يعهد مثله في جسمه وأجسام بني جلدته- بتعجب، فيما كان صديقنا صاحب العلاقة يتأمل فعله محتارا بين الاعتراض والتأييد!
يبدأ العمل في هذا المطعم منذ الصباح، وينتهي حوالي العاشرة ليلا. في نهاية اليوم كنا نلاحظ الأم وهي تخرج بأحد أحفادها قبالة المطعم، تلاعبه في الطريق الذي يمر فيه السابلة من المشاة وأصحاب الدراجات، فيما كنا -في أحيان أخرى- نلاحظ أم الطفل أو زوجة الابن الآخر تخرج إلى إحدى الطاولات في المطعم، قريبا من زوجها أو أخيه، تنشغل بهاتفها الذي يصدر بين الفينة والأخرى صوتا يشبه أصوات الألعاب الهاتفية. خطر ببالي أن المرأتين تنفسان عن نفسيهما بهذا الخروج من يوم عمل ضاغط، وربما من واقع معيشي ضاغط جعل حياة الأسرة كلها في المطعم. هل يتخيل أحدكم أن يقضي حياته كلها في (مطعم)؟ هل يتخيل أن تكون حياته وأسرته كلها عمل من أول الصباح إلى آخر الليل؟ .. ومع ذلك؛ فإن في محيا الأب وأبنائه، علامات الرضا والسكينة..
إن لله في خلقه وأرزاقهم شؤونا عجيبة!
/
//
(( يتبع))