الاثنين، 1 مايو، 2017

يوميات صينية | الجزء الثاني

عن زيارة
مدينتي جوانزو وفوشان
خلال الفترة (12-17/3/2017م)

(10)
كان (جونسون) في استقبالنا حين وصلنا مطار جوانزو. رجل ثلاثيني طيب، يبدو ودودا، وقد استقبلنا بلطف بالغ. ظننته مسيحيا، وسأله صديقي: لا يبدو اسمك صينيا.. أليس كذلك؟
ابتسم، وقال: هذا صحيح. هذا اسم اخترته بنفسي تسهيلا على أمثالكم ممن لا يُحسنون الصينية. ثم ذكر لنا اسمه الحقيقي وكان اسما يتطلب نطقه لياقة عالية في الحلق واللسان والشفتين، وحتى الأنف 😓!
"حسنا فعلت يا رجل، و إلا لكنا تجرعنا الغصص من عدد المرات التي نخطئ فيها حتى ننطق اسمك على وجهه الصحيح"..
-     هكذا قلت في نفسي.
يطمح (جونسون) إلى تعلم العربية، وربما يتم له ذلك في السلطنة في إحدى المؤسسات الحكومية أو الخاصة؛ بالتنسيق مع صديق له عماني.
دار الحديث بيننا دوائر، وسألناه إن كان السؤال عن الأديان في الصين يثير حساسية لدى المجتمع. وحين ابتسم متعجبا وقال: "لا.. لا توجد أية حساسية مطلقا من هذا الأمر"؛ سألناه عن دينه، فقال: "لا دين لي حتى الآن. كثير من الناس هنا لا يدينون بديانة معينة. لم أقرر بعد أيَّ دين أتخذ"!!
لا يمثل الدين لـ (جونسون) وأمثاله أولوية في الحياة. يبدو –من كلامه- أنه ينظر إليه كما ينظر إلى شراء السيارة أو بناء البيت أو الزواج أو الوظيفة..  مشروع مؤجل، وفي أحسن الأحوال فوق الكمالي وتحت الضروري!
سأله أحدنا: ما الذي يمنعك من أن تتخذ لك دينا أيا كان؟
أجاب: فكرت في أن أكون مسلما، ولكنني لم أحمل ذلك على محمل الجد؛ فأن تكون مسلما هنا يعني أن تترك اللحم الطازج المتوفر بكثرة وتكتفي باللحم المثلج. هذا أمر صعب.
- ماذا تعني؟ لم نفهم!
- المسلمون لا يأكلون لحم (الخنزير)!
في لقاء لاحق، قريبا من مكانٍ للصلاة في أسواق الأثاث في (فوشان)؛ أصر (جونسون) على الصلاة معنا رغم (لا دينِيَّتِه). كان يجهر بالتكبير، كما يفعل الإمام، ولكنه يعجز عن تلاوة ما نتلوه سرا، فيلزم الصمت. سألنا بعد الصلاة عن ما نردده في السر، فأشرنا إلى الفاتحة في مصحف مترجم للصينية كان في المصلى.
بدا لي أن الرجل لديه اهتمام ما بموضوع اتخاذ الإسلام دينا، وأن الأمر لم يكن مجرد حديث عارض كما حسبت أولا. حين خرجنا قلنا لـ (جونسون): الصلاة خطوة مهمة في الطريق إلى الإسلام، ولكن ثمة أمور قبلها، يتعين عليك معرفتها والإتيان بها. ستعرفها بالقراءة والاطلاع. يمكنك أن تبدأ من ترجمة صينية للقرآن الكريم (وكان قد أخذ صورة بهاتفه للمصحف). وحين تقرأ، فتصل إلى قناعة أكيدة أن الإسلام هو الدين الحق؛ فإن تلك هي اللحظة المناسبة تماما لأن تعلن إسلامك، لأنه سيكون إسلاما لا يقبل الشك ولا التردد، ولا القلق من عدم توفر لحم تأكله، أو أي شيء آخر من أمور الحياة.

 (11)
لست أدري لماذا خطر لها أن تقول ما قالت. كان ذلك في ركن من أركان سوق الأثاث الضخم. أعجبني المعروض، فوقفت عنده. ومن العادات التي استنها البائعون –حسب ما رأيت- ألا يبتدئونك بالكلام إلا حين تلمس الأثات، وتقف وقفة المشتري الباحث لا وقفة المتفرج المار. كنت أقول للبائعة وهي تتلو عليَّ تفاصيل الأثاث الذي تعرضه: إن علي أن أستشير قبل أن أقرر، وأردفتُ: أذواق النساء تختلف عنا نحن الرجال –كما تعلمين-. أومأت برأسها موافقة، وسألت وهي تصطنع ابتسامة: أهي صديقتك؟
كدت أقول: بسم الله.. لماذا يتعين أن تكون هذه -التي أستشيرها- صديقتي؟!!
(لم يخطر ببالي تلك اللحظة أنني في الصين؛ حيث كلمة (مطوع) لا توجد في قاموس اللغة ولا الحياة، وإيحاءاتها غائبة –من باب أولى-، وبالتالي فإن سؤالا من مثل هذا قابل لأن يطرح على الجميع، من له مثل هيئتي ومن له غيرها)
قلت لها وقد أخذتني الدهشة: لا لا .. إنها زوجتي! واستطردت: أنا مسلم، والمسلم لا يتخذ الخليلات. رفعت حاجبيها ومطت شفتيها علامة التشكيك فيما أقول، فأردفت: أتكلم عن المسلم الجيد المحافظ على دينه، وأما المسلمون الذين يفعلون خلاف ذلك فهم على جانب كبير من الخطأ.
لست أدري إن كان جوابي قد أثار حفيظتها أم لا، ولكنها قالت بأسلوب فيه شيء من الهجوم: مسلم .. لا شك إذن أن لديك أكثر من زوجة!
ابتسمتُ، وقلت: ليس كل المسلمين سواء في التفكير. لدي زوجة واحدة، وهي امرأة رائعة جدا.
فوجئت بأنها صفقت وتهللت أساريرها انتصارا لبنات جنسها، وقالت: ممتاز.. ممتاز.. أنت رجل ممتاز. نعم.. زوجة واحدة فقط.
ثم قالت منكسرة كأنها تشكو المجتمع الذي يشجع رجاله على اتخاذ الخليلات: بلغت الثلاثين من العمر، ولم أتزوج بعد!
حين خرجنا من المكان بعد أن استلمت فاتورة الشراء، ودعتنا بحلوى مغلفة (تمر محشو بالجوز، وتلك هي المرة الوحيدة التي أكلت فيها تمرا في الصين). وحين ابتعدنا قليلا -وكان أثر جوابي الأخير ما يزال باديا عليها-؛ فوجئت بها تلتفت إلى جاراتها وهي تقول بصوت عال فيه فرح: (هيه.. إن لديه زوجة واحدة فقط!)، وتمضي معهن في حديث بلغتهن الصينية، لا أفهمه بالطبع، ولكنني أستطيع –إلى حد ما- أن أتبين معالمه؛ كأنها تحدثهن بأعجب ما سمعت ورأت، في هذا اليوم، أو في عمرها كله!!

(12)
للصينيين في عرض سلعهم مذاهب. منهم من يستخدم الطرق المعروفة؛ تقليدية كانت أو جديدة، ومنهم من يستخدم طرائق مبتكرة.
على مدخل سوق الأثاث في (فوشان) مثلا؛ يتلقى بعضهم الزبائن الذين يبدون غرباء يقلبون النظر في الطرقات حيرى بين يمين ويسار، فيشير بيده إلى جهة معينة؛ تحسب أنه (من لطفه وحسن خلقه) عرف حاجتهم فقرر المساعدة، فإذا به يدلهم على محله الذي قد يكون قريبا أو بعيدا من المكان الذي يقف فيه؛ ومنهم من يقوم بتوزيع منشورات ترويجية، فيها وصف لدكانه البعيد عن المدخل، على نحو ما تفعل المحلات الكبيرة عندنا حين تكون لديها عروض جديدة.
وفي سوق الإلكترونيات في (جوانزو)؛ لاحظت طريقة مبتكرة للدعاية في بعض المحلات. يكتب الزبائن انطباعاتهم عن المحل في أوراق (A4)، بقلم كأقلام السبورة، ثم يعمد أصحاب المحل إلى تعليقها في إطار جعلوه تحت السقف، فكلما أضاف زبون انطباعا في ورقة جديدة جعلوها إلى جانب أشباهها، حتى لكأن تلك الأوراق ملابس معلقة على حبل غسيل ملفوف على أركان المحل، أو كأنها جزء من الديكور الذي يزينه.
الطريف أو الغريب أن الغالبية العظمى من هذه الانطباعات المعلقة –إن لم تكن كلها- كانت لزبائن عرب، فهي مكتوبة بالعربية؛ منهم من يمدح السلعة الموجودة فيه، ومنهم من يثني على القائمين عليه، وبعضهم يتغزل في البائعة إن كانت أنثى، وهكذا.. هم في انطباعاتهم شعوب وقبائل –وأظنهم- لا يتعارفون! .. ولست أدري إن كانت كتبت بإيعاز من أصحاب المحل أم أن نشوة الشراء دفعت الزبائن إلى ذلك. كما أنني لست أدري إن كان أصحاب المحل قد استعانوا بمترجم يترجم لهم المكتوب قبل تعليقه أم أنهم وضعوها مباشرة؛ فمجمل ما رأيته مدح وثناء، باستثناء عبارات يسيرة لا تشكك في جودة المعروض ولكن في أسعاره إلى حد ما.
أما أطرف الدعايات؛ فقد كانت في أحد المحلات التي تعرض مجموعة من الخِزانات والطاولات والدواليب ونحوها. كان في كل ركن منه دعاية ورقية عن تنزيلات في الأسعار، ولكن أصحاب المحل لم يكتفوا بذلك، بل عمد أحدهم إلى الوقوف على فردة دولاب مفتوحة للتأكيد على متانة الصنع، فبدا كأنه رجل آلي، يقف على الفردة برهة ثم يهبط منها.
حين اقتربت منه؛ قال لي: انظر إنه قوي بما فيه الكفاية. تعجبت فعلا؛ كيف لهذه الفردة التي تبدو ضعيفة أن تتحمل ثقل هذا الإنسان واقفا -وإن كان هزيلا-. سألته: هل يمكنني أن أجرب؟ وبدون تردد وبابتسامة عريضة أجاب: أكيد يمكنك أن تفعل ذلك، إنه قوي متين، تفضل. حين صعدت على الفردة المذكورة لم تتمالك المسكينة نفسها فتخشعت من هول ما أصابها. اعتذرت وأنا أضحك، بينما كان الصيني يحك رأسه، وعلى وجهه مظاهر مختلطة من خيبة أمل واعتذار وشك ودهشة. كان يردد: لا بأس.. لا بأس..
بدا لي –لحظتها- أنه يفكر في طريقة أخرى للعرض غير التي جربها من قبل حتى لا يفاجأ بأشد مما حصل قبل قليل، فيما كنت أدعو زميلي إلى المسارعة بالخروج من هذا المحل إلى آخر غيره!

 (13)
لم يجد (جونسون) حرجا –في إحدى المرات- من أن يدخل إلى دورة مياه مخصصة للنساء. كان في السوق دورة مياه للرجال وأخرى للنساء، وفي كل واحدة منهما حمامان.  ظننته سينتظر لحين فراغنا، ولكن يبدو أنه لم يجد داعيا لذلك. ربما لأنه لم يرَ أي امرأة بالقرب من المكان. ولكن ماذا لو أتت إحداهن فوجدته.. ألن يمثل هذا حرجا بالغا؟!..
لم تحن فرصة مناسبة لأسأله، ولكنني ربطت هذا -لاحقا- بما لاحظته من أن خصوصية المرأة في هذا البلد ليست على النحو الموجود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأنها –ربما- تتضاءل بمرور الأيام حتى لن يوجد فرق يذكر بين الجنسين في كل شيء.
حين كنت أحدث زوجتي عن هذا الأمر، ذكرت لي مفهوما يسمى (مفهوم الجندر) أو (النوع الاجتماعي) في مقابل (النوع البيولوجي)، وحين (جَوْجَلْتُ) المفهوم وجدت أنه ظهر في ثمانينيات القرن الماضي متداولا في قاموس بعض الحركات النسوية الغربية؛ ويقصد به (اختصارا) عدم التفريق بين الجنسين على أساس الهيئة التي خلقا عليها، والطبيعة الفطرية لكل منهما؛ وإنما على أساس الخصائص والأدوار الاجتماعية التي تتغير بمرور الزمن وتتباين من ثقافة لأخرى بحسب أسلوب تنظيم المجتمع.
يبدو أن هذا مطبق في الصين؛ فالزائر لا يكاد يتبين فرقا في سوق العمل الصيني بين الرجل والمرأة. يمكنك أن تجد المرأة في كل عمل.
مشينا –مرةً- من الفندق إلى السوق، وكان الطريق طويلا بعض الشيء؛ فمررنا على عمال بناء، بينهم امرأة تعمل في خلط الإسمنت وسكبه وترتيبه في الجدار. لم أشاهد -من قبل- امرأة تعمل في مثل هذا المجال، –ولم يخطر ببالي مثل هذا المشهد!
وفي طريق الرجوع لاحظت محل حلاقة؛ العاملون فيه والزبائن من الرجال والنساء، بدون خصوصية لأي جنس.
ولم تخْلُ المطاعم التي دخلناها، العربية والتركية والصينية المسلمة؛ من نساء يعملن في غرف التحضير وتوزيع الأطباق على الزبائن. المرأة حاضرة بقوة في الأسواق.
سوق الأثاث في (فوشان) يمكنك أن تسميه (مثلا) سوق النساء. هذه التسمية ليس لأن أغلب من يرتاده من النساء، وإنما لأن حوالي 99.9 % من الباعة في الأركان من النساء. البائعون من الرجال يعدون على أصابع اليد الواحدة. ثمة محل أو اثنين –فقط- كان البائعون فيها رجالا.

 (14)
كان وصولنا إلى (فوشان) في وقت متأخر نسبيا من الليل. دخلنا مطعما يمنيا، وفيه صرفنا بضع مئات من الدولارات. قال لنا مسؤول المطعم (وهو يمني من تعز) إنهم يقدمون خدمة الصرافة بجانب خدمة الطعام، وإنهم معتمدون من الجهات الرسمية في هذا الجانب. قبل أن نغادر؛ حذرنا من بعض الصرافين المتجولين، حيث يقوم بعضهم بالصرافة بأوراق عملة مزورة.
لاحقا؛ رأينا هؤلاء الصرافين المتجولين في سوق الأثاث. يجوبون بنشاط وحيوية بين الناس والأركان، ويتسللون إلى الزبائن الأجانب لعرض خدماتهم. لدى كل واحد منهم حقيبة صغيرة، يبدو أنها -في الأغلب- مُحَمَّلة بأوراق العملة الصينية، ولكنني لاحظت أن بعضهم –بعد أن يعرف المبلغ الذي تريد صرفه- يضطر إلى الذهاب إلى مكان ما ثم يعود بالمبلغ كاملا. ربما يفعل ذلك إذا كان المبلغ أكبر مما هو متوفر لديه. ويبدو أن هؤلاء يرتبطون (أصلا) بمكاتب صرافة (بوظيفة فيها، أو بمصلحة مشتركة)، يصرفون منها بالسعر المعلن للصرف، ثم يستفيدون من فارق صغير في السعر يُحْدِثونه لمصلحتهم.
مثل هذا النوع من التجارة لا وجود له إلا في سوق عالمي، فتأمل كيف أن عالمية الأسواق تفتح من المهن والأعمال الشيء الكثير!

(15)
يقع قبالة الفندق الذي نزلنا فيه في مدينة (فوشان)؛ مطعم (الإحسان). مطعم صيني تديره عائلة مسلمة.  يعمل فيه الأب والأم واثنان من أولادهما وزوجتا الابنين. حين تتجه إلى المطعم تستقبلك لافتته الإلكترونية مكتوبا عليها مسماه باللغة العربية، بلون أخضر، إلى جانب المسمى باللغة الصينية.
وحين تدلف إلى الداخل ترى لوحات معلقة على الأركان، بعضها (فنية تشكيلية) تمثل حضارة مسلمي الصين، وبعضها (دينية إرشادية) حول حرمة الخمر وعدم الإسراف في الطعام وغيرها. أليس يبدو غريبا أن يضع مطعمٌ لافتة تحث على عدم الأكل الكثير؟.. كان المكتوب حديثا نبويا (لا أتذكره الآن)، وكان قريبا في معناه من قول العرب المأثور (المعدة بيت الداء)!.. يبدو الحس القيمي واضحا في هذا المطعم، وقد ذكرتني لوحاته بمصطلح (الدعوة الصامتة). لاحظت أيضا أن هذه اللوحات الإرشادية، يتكرر فيها (اللون الأخضر). لست أدري إن كان هذا جزءا من الهوية المسلمة في الصين أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ثيمة فنية.
المطعم صغير –إلى حد ما-، ولكن زبائنه كثر لا ينقطعون؛ المسلمون وغيرهم، من الصينيين وغيرهم!
أول وجباتنا فيه كانت على الإفطار. لم نكن نحلم بالكرك، فهذا شيء يعز حتى في بلدان قريبة، ولكننا فوجئنا بأن الشاي الأحمر –أيضا- لا يتوفر معه خيار الخلط بالحليب. علبة حليب الشاي لا تتوفر أصلا، ولم نرها في أي محل!
تتوفر في المطعم وجبات مختلفة للإفطار وكلها ذات علاقة بالبيض. اقترح علينا صديقنا الذي أوصانا –قبل السفر- بهذا الفندق والمطعم، (كان حاضرا معنا، وله مصالح تجارية مستمرة في الصين)؛ اقترح علينا تجربة الحساء.
حساء لذيذ مع الخضار، تستطيع أن تطلبه مع كل الوجبات، رغم أنه ينتسب (من رائحته وطعمه) إلى الغداء أو العشاء. في هذا الحساء، وفي مشاكيك اللحم -التي طلبناها مرة على العشاء-؛ تطعم البهارات. بهارات ذات طعم طيب، غير البهارات المعتادة عندنا وإن لم تكن بعيدة عنها.
وفي الخبز الذي طلبناه -غير مرة- لا تطعم الملح أبدا، ويبدو أن منطقهم في هذا أنه سيؤكل مع مالح فلا داعي لتمليحه أيضا.
تتقاسم الأسرة المهام في المطعم. الطبخ للنساء، وعلى الرجال تقديم الطعام للزبائن. أكثر من يتعامل مع الزبائن الأبناء؛ أما الأب فيبدو أن مهمته الأساسية –حسب ما لاحظت- تتمثل في الإشراف العام وتزويد المطعم بما يحتاجه من الخارج.
تبدو على الأب ذي المحيا السمح سيماء التدين. يضع على رأسه (الكمة) البيضاء المعروفة بين مسلمي آسيا، وفي كل صباح كنا ندخل فيه المطعم كان يتخذ طاولة على مدخل المطعم، يقرأ فيها القرآن مستعينا بالمصحف المعلم، يردد خلفه الآيات آية آية. شدني المنظر وطلبت منه أن يسمح لي بتصويره ولكنه –لأمر ما- أبى وهو ينظر إلي نظرة لا تخلو من استغراب.
حين دخلنا المطعم أول مرة وجدنا فيه ثلة من المسلمين الصينيين، هيئتهم كهيئة الأب، يتحلقون حول طاولة واحدة. سحب أحدهم كرسيه باتجاهنا، وأقبل عليَّ يحدثني بعربية مكسرة وكلمات قليلة. فهمت منه أنه يسأل من أي بلد نحن، فقلت له: من عمان. لم يَبْدُ عليه أنه فهم، فاستطردت: قريباً من مكة. هز رأسه، وأخذ في حديث لم أفهم أكثره ولكنني استطعت تمييز كلمات (صدقة) و(مسجد) و(مسلم). كان الرجل فيما يبدو يحدثني عن مسجد للمسلمين ويحثني على الصدقة. ختم حديثه إليَّ بتوجيه الدعوة لحضور صلاة الجمعة معهم، ولكن ذلك لم يتيسر لنا للأسف!
في الجلسة نفسها كان أحدهم ينظر باتجاه أحد أصدقائنا، وإذا به يهوي فجأة ليتحسس شعر صدره الكثيف. كانت مفاجأة أضحكتنا، وكان الرجل الصيني يتحسس هذا الشعر -الذي يبدو أنه لم يعهد مثله في جسمه وأجسام بني جلدته- بتعجب، فيما كان صديقنا صاحب العلاقة يتأمل فعله محتارا بين الاعتراض والتأييد!
يبدأ العمل في هذا المطعم منذ الصباح، وينتهي حوالي العاشرة ليلا. في نهاية اليوم كنا نلاحظ الأم وهي تخرج بأحد أحفادها قبالة المطعم، تلاعبه في الطريق الذي يمر فيه السابلة من المشاة وأصحاب الدراجات، فيما كنا -في أحيان أخرى- نلاحظ أم الطفل أو زوجة الابن الآخر تخرج إلى إحدى الطاولات في المطعم، قريبا من زوجها أو أخيه، تنشغل بهاتفها الذي يصدر بين الفينة والأخرى صوتا يشبه أصوات الألعاب الهاتفية. خطر ببالي أن المرأتين تنفسان عن نفسيهما بهذا الخروج من يوم عمل ضاغط، وربما من واقع معيشي ضاغط جعل حياة الأسرة كلها في المطعم. هل يتخيل أحدكم أن يقضي حياته كلها في (مطعم)؟ هل يتخيل أن تكون حياته وأسرته كلها عمل من أول الصباح إلى آخر الليل؟ .. ومع ذلك؛ فإن في محيا الأب وأبنائه، علامات الرضا والسكينة..
إن لله في خلقه وأرزاقهم شؤونا عجيبة!
/
//
(( يتبع))


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق