الثلاثاء، 11 مارس 2014

حول قراءة الإسماعيلي لكتاب (الاستبداد مظاهره ومواجهته) ..

تعليقا على مقال للكاتب أحمد الإسماعيلي، منشور في صحيفة البلد الإلكترونية حول كتاب (الاستبداد مظاهره ومواجهته) لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة؛ وتجدونه هنا:

***
 أشكر للكاتب لغته الجميلة، وأسلوبه الذي انساب سلسا من بدء المقال إلى منتهاه؛ وأقف عند النقاط الآتية:

·      يرتب الكاتب على قول مؤلف الكتاب: "تحول الحكم في الإسلام إلى نظام كسروي قيصري" النتيجة التالية: "فالإسلام الذي أتى نورا للبشرية انحرف أتباعه مباشرة بعد سنوات معدودات" وهذا غير صحيح.. فكلام المؤلف لا يعني به إلا الطبقة السياسية الحاكمة التي أشار غير مرة إلى أن لها معارضين كثرا في المجتمع. وبالتالي فهذا لا ينبغي أن يحيل إلى  ما تعامل معه المستشرقون على أنه إشكال في واقعية الإسلام، فضلا عن كونه: لا يبرره!

·      ربط مفهوم مفهوم (العدل)العدل بالتقوى يبرره أن المؤلف يتكلم عن مجتمعات إسلامية، يفترض أن تكون الحاكمية فيها لله، وقد أقر هذا كاتب المقال في قوله:"الحاكمية لله مع إقرارنا بذلك طبعا"!.. على أن ثمة فرقا شاسعا لا يخفى على مثل صاحب قلم كهذا بين ربط مفهوم العدل بالتقوى، وبين ما يسميه غلقا للمفهوم في إطاره فقط لأن المؤلف لم يتحدث عن موارد أخرى يرتبط بها المفهوم المذكور.

·      مقارنة نظام (الإمامة) في فتراته السابقة بالنهضة العمانية الحديثة مقارنة غير عادلة. الأولى أن تقارن بما زامنها من أنظمة حاكمة. على أن ما ينظر إليه كأخطاء في ملفات عديدة لا يمكن تقييمه بمعزل عن الواقع السياسي الذي ظهرت فيه دولة الإمامة لا سيما في فتراتها المتأخرة، ومع ذلك فإن القول بأنها لم تستطع تقديم (إصلاحات هامة) في ملفات عديدة يظل كلاما مرسلا يحتاج إلى مزيد من التفاصيل.

·      في رأيي أنه لا إشكال حقيقيا بين مفهوم (المواطنة) ونظريات (الولاء والبراء)؛ فالمسلمون من مواطني الدولة المسلمة ليسوا بالضرورة محل ولاية متفقا عليه، وغيرهم كذلك، ليسوا محل (براءة) متفقا عليه.. وكما أن للمسلمين درجات من الولاية والبراءة؛ فإن لغيرهم –والله أعلم- درجات من المودة والتعامل بالحسنى، كمثل ما يشير إليه قول الله تعالى: " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ "، يضاف إلى هذا ما يمكن أن يستنتج من عيش اليهود جنبا إلى جنب مع المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

·      هل نفهم من إيراد كاتب المقال (رواية خلع الإمام الجلندى بن مسعود لبكائه على أقاربه رحمة وشفقة عليهم) في سياق تساؤله عن (إمكانية العقل الديني أن يقدم أنموذجا نظريا على الأقل منسجما مع روح الإنسان والتشريعات الحديثة) أن ما حصل كان منافيا لروح الإنسان والتشريعات الحديثة؟ .. إذا كان ذلك كذلك؛ فقريب من هذا ما أحسب أن المحاكم المدنية الحديثة تقره اليوم –|وأنا لست قانونيا بالمناسبة|- من ضرورة حيادية القضاة، أعني من حيث صلتهم بالمحكومين، فلا يكون قريبا ذا نسب، ولا بعيدا ذا عداوة!

·      أخيرا .. ارتباطا بتساؤل الكاتب الذي أشرت إليه في النقطة السابقة، فإنني أتساءل: هل كان كل ما قدمه العقل الديني |في مسيرته كلها| ضد الإنسانية وروحها، حتى يكون منطقيا |في المقابل| أن نتساءل عن إمكانية تقديمه لأطروحات تنسجم مع روح الإنسان الحديث؟!!

الأحد، 2 مارس 2014

يحيا بطل السبورة !

في غمرة الحديث عن (يوم المعلم)؛ جعل بعض المعلمين العبارة أعلاه مُعَرِّفاً للحالة في تطبيق المراسلات النصية المعروف (الواتساب). لأمر ما؛ تأثرت، ولأسباب كثيرة؛ ترقرقت الدمعة في عيني حين أقبلت زوجتي حاملة باقة من الزهور، هديةً من طالباتها اللائي فاجأنْها بها في اليوم المذكور؛ عرفانا منهن بجميلٍ حفظنه لمقام المعلم في شخصها. لقد فعلن ذلك في وقتٍ ينسى فيه جميل المعلم وفضله الكثيرون ممن لا يَنْفَكُّ عنهم - أينما حلّوا وساروا – فضله وإحسانه.. مرَّ عليه الطبيب والمهندس والشرطي، ومرّ عليه المزارع والصياد والبنّاء، حتى الوزير ومن يعلوه في المراتب.. كلهم مرّوا على المعلم، فاستظلوا بظله الوارف، ثم خرجوا من تحت جناحه محمَّلين بالغنائم، فمن ثَمَّ كان حكمةً بالغةً قولُ القائل: "من علمني حرفا صرت له عبدا"!

أي نعم.. حيّا الله بطلَ السُّبورة الذي طالما تأذّى من غبار الطباشير، وتعب من الإمساك بالأقلام، وتلطخت يداه بالمداد وغيره من أدوات التدريس، ورجع إلى بيته بوجهٍ متعبٍ ومظهرٍ تناولته الحصصُ الطوال، وأعباء إدارية ثقال، وقيل وقال يأتيه من طلابه وزملائه وإدارة مدرسته. حياه الله، وحيا مِشْيَتَه إلى مدرسته نشيطا مبتسما، يسأل الله أن يعينه على أداء رسالته العظيمة، لتلاميذ منهم المحب للعلم ومنهم الكاره، ومنهم ذو الخُلُق ومنهم ذو النَّزَق؛ فيقول يُسْراً للمحسن، ويكظم غيظه ويعفو عن إساءة المسيئ، ويلتمس الأجر من الله، ويحتسب ما قدمه وفاءً تجاه دينه ووطنه وأمته.

إن التعليم بطولة، لأن العلم عظيم، ولا يقوم بحقه إلا عظماء النفوس، الذين يبذلون أنفسهم وأوقاتهم في سبيل أن تصل المعلومة الصغيرة إلى طالب عصي الفهم، فضلا عن أشكال مختلفة من العلم النافع تساق إلى غيره من الطلاب.

لقد ذكرتني جملة (يحيا بطل السبورة) بفيلم إنساني عميق المعنى بالغ العبرة، كنت قد شاهدته منذ زمن، عنوانه (السبورات السوداء)، تدور أحداثه حول معلمين يحملان (سبورتين سوداوين) على ظهريهما، ويجوبان بهما القرى والمنحدرات الجبلية الوعرة والخطرة، بحثا عن تلاميذ يعلمانهم القراءة والكتابة نظير أجر زهيد يسد الجوع ويعين على شظف المعيشة، في بلادٍ أهلكت الحرب فيها الحرث والنسل. ينتهي المعلمان إلى رفضٍ لخدماتهما التعليمية من كل من يصادفانه، أطفالا وشبابا وشيبا، بسبب الحرب وما تفرزه من أوضاع اقتصادية واجتماعية. ويفقد أحدهما حياته في انفجار من أجل أن يعلم صبيا واحدا كتابة اسمه، بينما يفقد الآخر (سبورته السوداء)، بعد أن ساقته الأقدار للزواج من امرأة لا زوج لها ضمن مجموعة مهاجرة، أملا في أن يعلمها القراءة والكتابة، فكانت السبورة مهرها المؤجل حين اضطر لتطليقها بعد أن رأى منها الصد والهجر!!

في الفيلم رسائل إنسانية وفكرية شتى، ولكن الذي يعنيني منها هنا هو بطل السبورة، الذي ينبغي أن ننظر إليه -دائما وأبدا- كقيمة مضافة وعنصر غال وثمين، وأن نهيئ له الأسباب ليظهر ويتألق، وأن نعزز وضعه النفسي والاقتصادي والاجتماعي حتى يكون منارا عاليا تهتدي بنوره الأجيال.

الاثنين، 3 فبراير 2014

.. فإذا تكلم ؛ سقط من عيني !

تسهم وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة – على علاّتها – في ترسيخ ثقافة الشفافية والتعبير الحر عن الرأي؛ حول قضايا وشؤون كثيرة، كانت إلى فترة قريبة مقصورةً على خاصة الخاصة -وهي شأن عام-، ومغيبةً عن تعدد الرأي والقول فيها -وهي من الأهمية والعمق بمكان-؛ بحيث تحتاج إلى الرأي والرأي والآخر لإنضاجها وتمكين القائمين عليها من جعلها في موضعٍ وسطٍ تلتقي فيه مختلف الآراء ومفترق التوجهات.

وعندنا في عمان، كما في سائر الدول؛ قضايا عديدة، لم يكن مجال القول فيها متاحا، أو – على الأقل- لم يكن الصوتُ فيها مسموعا؛ إلا لفئات محدودة من الناس أوصلتهم ظروفٌ معينة مختلفة إلى مناصبَ رفيعة في مؤسسات حكومية عامة؛ فأصبحت لهم الكلمة الفصل في كل ما يتصل بهذه المؤسسات، وأصبح على المستفيدين من خدماتهم الرضا والتسليم بواقع الحال؛ إذ ليست القنوات مشرعة في كل وقت لتبادل تغذيات راجعة بين الطرفين -من جهة-، وليس كل صوت مسموعا حتى وإن كان وجيها -من جهة أخرى-، وليس من شاهدٍ عدلٍ أو حكمٍ منصفٍ يقيس موضوعية الملاحظات ومعالجاتها -من جهة ثالثة-.

أسوق هذه المقدمة، وأنا أتابع ما كتبه الناشطون على صفحات التواصل الاجتماعي الشهيرة من تدوينات وما تبادلوه من رسائل، بشأن مقطع مرئي يكشف جانبا مما حدث قبل أسبوع تقريبا خلال عرض راقص لإحدى الفرق الفنية المشاركة في مهرجان مسقط السنوي؛ لا يتناسب مع ثقافة المجتمع العماني، الذي اتفقت كلمة العمانيين وغيرهم على أنه مجتمع القيم والأخلاق!

لقد أثار المقطع الذي تم تداوله على نطاق –لست أدري مداه- حفيظة قطاع واسع من العمانيين الحاضرين في الفضاء الإلكتروني، فأنشأوا من الوسوم ما دفع نشاطها إلى لفت انتباه المتابعين داخل عمان وخارجها، حتى أن أحد المغردين على (تويتر) من خارج عمان كتب ساخراً -ما معناه- إن العمانيين شعب هادئ لا يسمع له صخب ولا ضجة، وحين تكلموا كان هذا صوتهم!!

فهل هذا هو الصوت الذي نسعد –كعمانيين- أن يكون علامة ودليلا على عمان وأهلها؟! وهل يعي القائمون على المهرجان المذكور أن القيمة المضافة التي يمكن أن يضيفها مهرجان مسقط في جوانب عدة؛ لا تكون على حساب الحميد من العادات والتقاليد ولا تتقاطع مع الإرث القيمي والأخلاقي الذي يتناقله العمانيون جيلا بعد جيل؟
إن مهرجانا بحجم مهرجان مسقط ينبغي أن يكون دليلا على حضارة (عمان) ومفتاحا إلى تاريخها وفنونها الأصيلة، لأن (مسقط) تمثل كل العمانيين، ومنها ينطلق الآخرون في التعرف على (عمان) قاطبة. وهنا أقترح أن تشارك في عضوية اللجنة الرئيسية المنظمة للمهرجان جهاتٌ حكومية وأهلية ذات علاقة بالشؤون الدينية والثقافية والتاريخية والفنية والاجتماعية وغيرها مما يمكن أن يسهم في تصميم مهرجان تكون فوائده وعوائده في أكثر من جانب؛ أما أن يقتصر الأمر على جهة واحدة، فإني أخشى أن تتوالى الاعتذارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وكأن (النتائج) لم تكن –يوما- بناتِ (المقدمات)!!

يقول أكاديمي وناشط خليجي، زار السلطنة مؤخرا: "عُمان بحاجة لرؤية وجهود اقتصادية وإعلامية كبيرة، وحينها ستكون وجهةً عالمية بامتياز. فهي كنزٌ لا يفنى، وفيها كل ما يبحث عنه بنو البشر"، وأقول: إن مهرجان مسقط يمكن أن يكون أحد الأدوات التي توجه في هذا السبيل، حتى يصدق فينا ظن كل من أحسن فينا الظن، فلا نكون كحال الرجل الذي قيل عنه: "أرى الرجل فيعجبني؛ فإذا تكلم سقط من عيني"!!






الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

المعرفة .. وصولا إلى الاعتراف !

الحوار الذي أجري مع سماحة الشيخ (أحمد الخليلي) المفتي العام للسلطنة في برنامج (لقاء الجمعة) على قناتي (الرسالة) و(روتانا خليجية)؛ كانت له أصداء كثيرة طيبة. تكفي لمتابعتها نظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة، ففيها سجل كامل لكل ما ظهر من انطباعات وتحليلات. لأمر ما؛ كان هذا اللقاء موضع اهتمام من قبل أطراف عديدة وشرائح مختلفة داخل السلطنة وخارجها. وليس ذلك –قطعا- لأنه اللقاء التلفزيوني الأول لسماحة الشيخ خارج السلطنة، فثمة لقاءات إعلامية عديدة سبقت، ولكن لأنه يمثل نموذجا مهما لما ينبغي أن يكون عليه خطاب المذاهب الإسلامية من الدفع باتجاه اجتماع المسلمين على كلمة سواء والاعتصام بحبل الدين لا بحبل المذاهب، من خلال خطاب معتدل غير متشنج ولا صاخب، يتوجه به رموزها العقلاء الكبار إلى جماهير الأمة المسلمة قاطبة، ويقوم على ثلاثية (المعرفة، والتعارف، والاعتراف).

هذه الثلاثية اقترحها يوما ما أحد مفكري الإباضية؛ وهو الشيخ (علي يحيى معمر)، وشرحها بقوله: "بالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به الآخرون، ولماذا يتمسكون به. وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات. وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر برضا، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (اجتهدَ فأصاب، أو اجتهدَ فأخطأ)".

إن معرفة الحقيقة حاجة إنسانية قبل أن تكون حاجة أو ضرورة إسلامية، ثم إن إتاحة الفرصة لعموم الناس لمعرفة فكر وحقيقة أي مذهب إسلامي من خلال رموزه الكبار -لا من خلال وسطاء مضللين- يقترب بهم من الحقيقة أكثر؛ فطالما أفرزت الوساطة المضللة تحريفا للكلم عن مواضعه، وكيلا للتهم دون سند صحيح، وسوقا للأباطيل من كل حدب وصوب؛ الأمر الذي أدى (مثلا) إلى تكفير الإباضية حينا، وجعلهم من الخوارج حينا آخر، واعتبارهم مدرسة صغيرة لا وزن لها من مذهب آخر حينا ثالثا، فيما هم من هذا كله بين براءة من التهم الباطلة، وكونهم أول المذاهب الإسلامية نشوءا وأقدمها على الساحة.

ولأن صوت هذا المذهب العريق قد تم تغييبه، فقد ظن البعض أنه تكتم مقصود من قِبل أتباعه، وليس الأمر كذلك بالطبع. لكن الحضور الطاغي لخطاب مذهبي وحيد مدعوم بالمال والإعلام والجغرافيا في واجهة المشهد الديني؛ ساهم في إضعاف خطاب المذاهب الإسلامية الأخرى، فضلا عن خطاب المذهب الإباضي الذي لا يصنف أصلا في دائرته، ولايستند إلى آلة إعلامية قوية، ولا يميل أتباعه –غالبا- إلى الضجة والصخب.. كل هذا ساهم في تشكيل حالة من الجهل به، في مقابل رغبة -ليس في عمان فحسب، بل خارجها- في أن يكون صوته مسموعا في نطاق أوسع. وقد عبر عن هذا مغرد سعودي كتب في وسم (لقاء الجمعة مع الخليلي) على (تويتر): (نحتاج الى أن نرى شيوخ وعلماء عُمان وإن اختلفنا معهم. هناك من يتعمد عزلهم عن المجتمع الخليجي!).

في كل الأحوال، عسى أن يكون هذا اللقاء مقدمة لبرامج كاملة تتيح فرصا أفضل للمعرفة والتعارف وصولا إلى الاعتراف، وأن يكون دافعا لتعزيز قيمة مهمة نحتاج إليها عند كل اختلافٍ مع آخر، وهي: العدل!

الأحد، 24 نوفمبر 2013

جودوا يا كرام !

فاجأني رد المتكلم: الأفضل أن تتواصل مع الشرطة.. ماذا يمكن أن نفعل الآن؟
-     أتصور أن الأولى أن يكون بينكم وبين الشرطة تنسيق في هذا الجانب، فلا يحتاج المتصل للتواصل مع جهتين، كما أن هذا وأمثاله قد يكون من ورائهم عصابات منظمة، الأمر الذي يلزم معه إدارة مشتركة لهذا الموضوع!

**
كان الرجل الذي أبلغت عنه من جنسية عربية، ولكنه يلبس زيا عمانيا، ويتقن اللهجة العمانية إلى حد كبير ، لكن كلماتٍ من هنا و هناك تكشف عن بلده الحقيقي. حرصت على تسجيل لوحة سيارته -التي بدا لي أنها مستأجرة- ولم أتمكن من التواصل مع الخط الساخن لمكافحة التسول إلا بعد ذهابه بفترة. كنت أتحدث مع جاري أمام باب البيت حين نزل من سيارة نظيفة وقفت فجأة في مكان قريب منا. كان في أحسن الثياب، وفي جسم يبدو أنه قوي صحيح. سألنا عن بيت (فلان الفلاني) الذي يقطن في هذا الحي، وقال إنه نسي حقيبته في سيارة هذا (الفلان)، وفيها محفظة نقوده التي يحتاج إليها الآن -عاجلا غير آجل- لتعبئة سيارته بالوقود. والمشكلة أن هاتفه في الحقيبة فلا يمكنه الوصول إلى صاحبه بالاتصال!!.. وهو الآن محتاج لريالات معدودة فقط.. فهل تجودون ياكرام؟!!
قاطعته، وقلت له: المعذرة يا أخي.. لكني لا أصدق حرفا مما تقول !!

فوجئ صاحبي قبل الرجل بما قلت ، وأكملت: لأنك حكيت لي القصة ذاتها، بمثل هذه التفاصيل، قبل نحو عام تقريبا !!.. وفيما مضيت أنا في لومه وتقريعه بما حضر لدي من الكلام؛ كان الرجل المتسول يبدي من علامات الدهشة والإنكار ما يستطيع. قال: سامحني. قلت له: أحرى بك أن تطلب المسامحة من الله على هذا الكذب المتواصل، وأخذ أموال الناس بغير حق، وحرمان الفقراء والمساكين من صدقات المحسنين إذ تجعل نفسك في موضعهم، وكونك عاطلا عن العمل الشريف بينما أنت قادر على ذلك.

إن جديد المتسولين لا ينتهي. في كل مرة يبتكرون حيلا وأساليب غير التي استهلكوها من قبل. إنهم معرض إبداع لا تنتهي عجائبه، لكنه إبداع سيئ مكروه. يوهمون الناس أنهم مصرف صحيح مشروع للصدقات والهبات، ويجعلون أنفسهم في مواقف تستدعي الشفقة والإحسان، بينما هم أهل لغير هذه المعاني والقيم الإنسانية التي ينبغي التوجه بها للفقراء والمساكين الذين لا ينشرون غسيلهم في الشوارع -كما يقال-، و لا يسألون الناس إلحافا.

وبعد أن نشطوا في المساجد والأسواق والشوارع العامة، فأصبحت حيلهم مستهلكة إلى حد كبير، وأضحت أشكالهم معروفة للزائر والمقيم، وأمسى وجودهم عرضة لخطر هجوم مضاد من قبل الأفراد أو الجهات المسؤولة؛ بدأوا الدخول إلى مكاتب العمل وبيوت الناس!

لذا أتمنى ألا يكون ما فهمته صحيحا، وهو أن التنسيق بين الشرطة وإدارة مكافحة التسول ضعيف، فهذه الفئة خطر حقيقي على المجتمع، وخطورتهم تزداد يوما بعد يوم، لا سيما مع دخول الوافدين فيها. وحسبك من وافد متسول ألا تعلم مصارف النقود التي يجنيها بالباطل!

الأحد، 20 أكتوبر 2013

الصحراء.. دواءٌ إذا تصحَّرت القيم !

حين تدخل إلى بعض المستشفيات، لا سيما في أوقات الزيارة المعتادة، تلحظ مجموعة من البشر، يتخذون من زاوية ما على أحد جوانب مواقف السيارات مجلسا لهم، يفرشون عليه البسط، ويتناولون فيه القهوة والتمر، وربما جلبوا إليه بعض الفواكه، كأنهم في سبلة. وإذا اتفق أن كان هذا المكان تحت شجرة ظليلة، فإنهم يلبثون فيه ليل نهار.. !

إنهم أهلنا من البدو، جاءوا لعيادة مريض لهم في المستشفى، ومؤازرة خاصة أهله الذين يشرفون عليه وقت الزيارة، بعضهم أو كلهم، زرافات أو وحدانا.
كنت أجد في هذا المنظر جانبا من التخلف وبقيةً مما استعصى على المدنية الحديثة، متمنيا أن يزول بمرور الأيام، رغم تعاطفي الإنساني معهم، فما حاجة المريض إلى مرافقين بهذا العدد كأن مريضهم يعالج في مكان منقطع أو بعيد لا يوصل إليه بسهولة، وهل يجد هؤلاء من الفراغ ما يدفعهم إلى ترك أعمالهم وشؤونهم حتى يأتوا لقضاء الأيام والليالي في مثل هذا المكان، فهم فيه كأنهم لاجئون!

ولكن مع الأيام صرفني عن هذا التفكير، التنبه إلى أن هؤلاء علمتهم الحياة أبلغ ما يكون التعليم أن الاتحاد قوة، وأن الحمل يخف بين الجماعة، وأنهم جسد واحد يرفع العضو الصحيح منه عزيمة السقيم.. إنهم باختصار يبعثون برسالة إلى أنفسهم أولا ، ثم للمريض ، وللناس أجمعين..

فرسالتهم للذات أن الوفاء من شيم الكرام، وهم بوقفتهم هذه إنما يؤدون ما تحملتهم رقابهم من جمائل أسرة المريض يوم أن وقفت معهم في الشدائد.
ورسالتهم للمريض وأهله، أن لكم في كل بيت من بيوتنا أبا وأما وإخوة، يهتمون لأمركم ويرعون شؤونكم، وهم على استعداد تام للوقوف معكم بالحال والمال (بحسب التعبير الدارج).

ورسالتهم للناس، أن إحساس المريض بأن له أهلا يرعونه، وينتظرون لحظة خروجه سليما معافى؛ هو عنصر فاعل في العلاج. فعواطف أهله النبيلة ومشاعر محبيه الخيرة تصله وهو على فراشه وإن لم يرهم ويتشارك الجلوس معهم، وتنشط فيه عناصر العافية، وأكثر الظن أنه لن يلبث في مكانه من المستشفى إلا قليلا.


إن المدنية الحديثة –على إيجابياتها الكثيرة- فإنها حجّمت من فاعلية مجموعة من القيم، وضيقت عليها الخناق، لأسباب في البنى المدنية ذاتها أحيانا، وأحيانا أخرى لأسباب في البشر الذين تفاعلوا معها بغير هدى ولا كتاب منير، أما الصحراء فإنها فتحت الباب واسعا في هذا الجانب، ومازال كل من وطئها يشعر أنه يقرأ في كتاب مفتوح يعرض لمجموعة لا حدود لها من القيم الإنسانية العظيمة.

السبت، 21 سبتمبر 2013

.. تغريدات إباضية ..


#المذهب_الإباضي لا ينسب لمؤسسه، بل للمتحدث باسمه: #عبدالله_بن_إباض. إمام المذهب (تشريعيا وعلميا) #جابر_بن_زيد الأزدي، تلميذ ابن عباس وعائشة.

*** 

#جابر_بن_زيد محدث وفقيه، وإمام في التفسير والحديث. من أخص تلاميذ ابن عباس، وروى الحديث عن أم المؤمنين عائشة، وكثير من الصحابة ممن شهد بدرا.

*** 

ولد #جابر_بن_زيد بين عامي 18-22 هـ، في بلدة (فرق) في منطقة تسمى الجوف في نزوى بداخلية #عمان . هناك نشأ وترعرع قبل انتقاله للبصرة.

*** 

يعتبر #جابر_بن_زيد الإمام الأول لـ #الإباضية والمؤسس الحقيقي لفكرهم ومذهبهم. وهو من أبرز علماء النصف الثاني من القرن الأول الهجري.
قال #عبدالله_بن_عباس "اسألوا #جابر_بن_زيد، فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه"، ولما مات، قال #أنس_بن_مالك: مات أعلم من على ظهر الأرض!

*** 

#عبدالله_بن_إباض من قبيلة تميم التي سكنت البصرة، ومنها #الأحنف_بن_قيس الحكيم المشهور. أدرك #معاوية وهو شاب، وعاش إلى زمن عبدالملك بن مروان.

*** 

عاش #عبدالله_بن_إباض في الفترة التاريخية نفسها التي وجد فيها أبو بلال  #مرداس_بن_حدير و #جابر_بن_زيد و #نافع_بن_الأزرق

*** 

بعد #معركة_النهروان انبثقت جماعة سكنت #البصرة ، آثرت السلم ونبذت العنف لفرض آرائها. تزعمها #مرداس_بن_حدير وكانت نواة أولى لـ #الإباضية !

شهد #مرداس_بن_حدير التميمي (صفين) مع الإمام #علي وفارقه مع #أهل_النهروان بعد  التحكيم، وكان من القليل الذين نجوا من القتل في #معركة_النهروان

*** 

لم يرتح #مرداس_بن_حدير لما حدث من فتنة بين المسلمين، ورأى عدم صحة القتال بينهم؛ فانسحب بنفر من أصحابه وأقام بالبصرة تحت حماية #الأحنف_بن_قيس

*** 

آثر #مرداس_بن_حدير وجماعته الحوار بدل الحرب، فأنكر #الخوارج  عليهم ولقبوهم -احتقارا- بالقعدة، أما أهل البصرة فسموهم #الحرورية نسبة ل #حروراء

*** 

(كان عابدا مجتهدا عظيم القدر وكان لا يدين بالاستعراض ويحرم خروج النساء ويقول لا نقاتل إلا من قاتلنا)..
#ابن_الأثير متحدثا عن #مرداس_بن_حدير

*** 

بعد وفاة #عبدالله_بن_وهب_الراسبي وجد بقايا #أهل_النهروان في #جابر_بن_زيد قائدهم الطبيعي، وهو أزدي كابن وهب، وذو علم واسع بالقرآن والسنة.

*** 

كان من ملازمة #مرداس_بن_حدير وصلته الروحية والفكرية بـ #جابر_بن_زيد أنه كان لايصبر على فراقه، يخرج من عنده بعد العشاء فيأتيه قبل صلاة الصبح!

*** 

الخارجة على بني أمية تتولى #مرداس_بن_حدير كالأزارقة والنجدات والشيعة والمعتزلة. ربما لأنها هي التي سميت #المحكّمة قبل انقسامها !

*** 

قاد #نافع_بن_الأزرق ثورة متطرفة، حيث اعتبر المسلمين المخالفين كفاراً وعاملهم معاملة المشركين، الأمر الذي غير العلاقة بينه وبين #جابر_بن_زيد

*** 

عارض #جابر_بن_زيد وبقايا #أهل_النهروان كـ #مرداس_بن_حدير وصحبه آراء #نافع_بن_الأزرق بشدة، وأعلن #عبدالله_بن_إباض لاحقا انفصاله عنه ..

*** 

اضطهد #عبيدالله_بن_زياد المسلمين، فأثر ذلك في نفس #مرداس_بن_حدير فقرر مغادرة البصرة، ونزل في #آسك أملا في الدعوة لفكره بأمان من شر ابن زياد.

*** 

والله إن الصبر على هذا لعظيم وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم ولكننا ننتبذ عنهم ولا نجرد سيفا ولا نقاتل إلا من قاتلنا
#مرداس_بن_حدير
#آسك

*** 

أرسل #عبيدالله_بن_زياد جيشا مكونا من أربعة آلاف رجل بقيادة عباد ابن أخضر فقتل #مرداس_بن_حدير وأصحابه الأربعين جميعا سنة 61 هـ في #آسك .

*** 

يا عين أبكي لمرداس ومصرعه
يارب مرداس اجعلني كمرداس
أنكرتُ بعدك ما قدكنت أعرفه
ماالناس بعدك يامرداس بالناس
#عمران_بن_حطان يرثي #مرداس_بن_حدير

*** 

لقد زاد الحياة إليَّ بغضا
وحبا للخروج أبو بلال
ولو أني علمت بأن حتفي
كحتف أبي بلال لم أبالِ
#عمران_بن_حطان يرثي #مرداس_بن_حدير

*** 

ظهر #عبدالله_بن_إباض (إعلاميا) بعد موت أبي بلال #مرداس_بن_حدير ، وربما كان من جماعته، إلا أنه لم يخرج معه إلى #آسك .

*** 

كلف #جابر_بن_زيد #عبدالله_بن_إباض بالدعوة لفكر قائم على توسط واعتدال مع المعارضين، وعلى المناداة بالشورى والبعد عن موالاة الحكومات الفاسدة.

*** 

نظرا لمواقف #عبدالله_بن_إباض الجدلية مع #الخوارج ونقده الأمويين لمفارقتهم نهج #الخلفاء_الراشدين ؛ ظهر بمظهر الزعيم ونسبت إليه #الإباضية !!

*** 

كان #عبدالله_بن_إباض معارضا للدولة الأموية؛ فنسبوه لـ #الخوارج كما نسبت كل معارضيها،  ومن هنا نسبت #الإباضية لـ #الخوارج ظلما وزورا وبهتانا!

*** 


مما سبب الجدل حول شخصية مؤسس #الإباضية؛ ما توهمه الناس أن مجرد إعلان #عبدالله_بن_إباض مخالفته #نافع_بن_الأزرق يعتبر إعلاناً عن حزب قائم منظم