الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016

مشاهد

(1)
تتهيأ ليوم حافل. تلبس له أجمل الثياب، وتصلح هيئتك كما لم تفعل من قبل، وتبكر في الاستعداد لكل تفاصيله. تفاجأ -بمرور الدقائق والساعات- بيوم كسول؛ لا عمل حقيقيا أنجزته، ولم يأتك من وعدك بالزيارة، ولم تجد ما كنت تبحث عنه. وفي اليوم الذي جزمت بأن لا حدث مثيرا فيه، وأنه سيشبه إخوته من الأيام الكسولة؛ تفاجأ بما لم يكن في الحسبان، ويُخلف ظنَّك اليوم الكسول!

(2)
لا يمانع الوالدان أن يكونا معطائين إلى آخر رمق في حياتهما. لكن على الأبناء ألا يكونوا طُمعاء أو أغبياء، فيستنزفوا هذه الروح فيهما حتى يقضيان. ثمة فرق بين استعدادهما للعطاء، وكونه يتكلف مشقة عليهما.. فرق لا يعرفه إلا الأبناء البررة وحدهم فقط!

(3)
تؤذيك رائحته.. تتحاشى النظر إليه.. تتأفف منه إذا وقف قريبا منك.. لكنه ربما يكون أدنى منك وأحبَّ إلى ربك الذي خلقه وخلقك! * "رُبَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه" - حديث شريف.

(4)
لا تستطيع أن تتوقع دائما ما قد يفعله (الوقح) من الناس. ربما يفكر بطريقة غير نمطية. يمل من تكرار (الوقاحات) العادية التي ألفها الناس. يفضل أن يبتكر -على الدوام- أساليب جديدة للتعبير عن (وقاحته). يصر على أن تكون طريقته في ذلك متفردة لم تعرف من قبلُ لغيره. في داخله مخترع؛ يطلق في كل مرة اختراعا جديدا للوقاحة. وإذا فكرنا مثله بطريقة اختراعية؛ فقد يسوغ -في يوم ما- أن نمنحه شهادة (جناية اختراع)!

(5)
هذا (الكسل) الذي يبدو لك الآن أمرا عاديا قد يسوقك يوما ما إلى الخضوع لمن لا تتوقع الخضوع له.
قطعا؛ لم تقد الإنسان إلى الخضوع ذِلّةُ النفس وحدها، ولا ضعف الضمير. كان (الكسل) يكمن في بعض التفاصيل!

(6)
في المكان المزدحم؛ إن لم تستطع اكتشاف موقف لسيارتك، فاخترعه. من نافل القول هنا؛ التذكير بضرورة أن يكون هذا الاختراع غير ضار بكل من وما حولك!



الاثنين، 19 سبتمبر 2016

خواطر ثقافية | (3)

(3)
أقترح على المثقفين العلمانيين أن يتقبلوا -أو يتفهموا (على الأقل)- انطلاقا من مبدأ حرية التعبير (على الأقل أيضا)؛ أن يقول المجتمع المتدين المحافظ عن نص ينطق بخلاف ما يفهمه من أصول الدين وأعراف الحياة: إن في النص (كفرا) أو (خلاعة)، أو شيئا من هذا القبيل.. تماما، كما يمكن أن يقول المثقفون عن نَسَقٍ ما ينطق بخلاف ما يفهمونه من أصول الفكر والحياة التي ارتضوها لأنفسهم: إن في هذا (كفرا بالإنسانية) وخروجا على مقتضيات المدنية الحديثة. ماذا يضير (المثقف) الذي لا يرى في (الدين) و(الآداب المجتمعية) إلا قيدا؛ أن يوصف بالتحرر منهما؟ هل يرى المثقف الذي يتبنى آراء عاصفة حول القضايا الدينية المتفق عليها وأعراف المجتمع سُبَّة في أن يوصف نصه بـ (الكفر) أو (المجون)؟

***

(4)
أخي الأديب: أقرأ في بعض نصوصك الأدبية (قلة أدب). أرجو ألا تنزعج من كلامي هذا. لاحظ أنني أعترف لك بأدبية ما تكتب، ولكن حين أتذكر ما حفظته عن أبي وأمي وأهلي من آداب وسنن؛ فأنا لا أستطيع أن أقول إلا هذا. هل لاحظت أيضا أنني لم أفعل إلا أن مارست (حرية التعبير) التي تدعوني إليها؟!!..

***

(5)
ما زالت (حرية التعبير) في أذهان بعض المنادين بها تعني أن تكون هذه الحرية مكفولة لهم وحدهم (فقط).

***

(6)
ما زال عنوان مثل (المنهج العلمي) مطّاطاً لا حدود له، عند بعض من يزعمون الانتماء إليه والتمسك به. يكتب أحدهم، فيطلق الأحكام جزافا، ويسمي الأشياء تسميات انفعالية، ثم يقول إنما أنا محلل، مفكك، مفكر ... إلى آخر هذه الألقاب التي تبدأ بحرف (الميم). ثم حين ينبري له من يطلق عليه الأحكام –كما فعل-؛ يغمض عينيه قائلا ببرود: "رُدُّوا علي بالمنهج العلمي"..!

***


(7)
وأنت تحاول إنتاج نسخة جديدة لأصل قديم؛ كن شديد الحذر أن تكون النسخة الجديدة عبئا على الفن، وهمَّا في القلب، وخسارة في المال، وفضيحة مُدَوِّيَة!

الأربعاء، 18 مايو 2016

الكلمة والحكمة ..


أَلْقِ (الحكمة)،
وربما يلتقطها بعض السيّارة إلى عرش عظيم !

**

(الكلمة)
التي لا تَشْفي؛
قد تبعث على المرض!

**

قد يفتح الله بتأليف (الكتاب) من الألفة والمودة بين الناس؛
ما لا يَفتح ببذل الأثرياء أو بفعل الساسة!

**

بعض الكلام كالدواء؛
يصلح لشيء من العِلل أو المواضع، دون غيرها.
لاحظ أن ما تُسقى إياه في الأذن، قد يَمُجُّه الفم! ..
ومثل هذا ما تسمعه من كلام هنا وهناك؛
فقد يكون غير سائغٍ أن تجعله مادةً لكلامك.
إنما قيمته
في الاستماع إليه، والتعرف عليه؛
لا في التكلُّم به!

**

كل سؤالٍ لا يمُدّك بجديد أو مفيد؛
فَدَعْهُ،
وأفسح الطريق لسؤال غيره!

**

بعض الكلام
يذوي ( وربما يموت ) ؛
إذا تَخَلَّفَ عن موعده!

**

قد
تعيد الحروف والأشكال
التي نَنْثُرُها هنا أو هنـــــــــــــــــــــــــــــاك،
ما اختطفتْه الأيامُ منا على عجل .. !!

**

تعريف (الشيء) ؛
قد يكون سببا كبيرا في الإقبال عليه أو الإدبار عنه ..
ما أخطر التعريف!!

**

الأيام التي ينقطع فيها حبل الكلام؛ أيام كسولة عطشى..
لا شمسَ توقظ، و لا دَلْوَ يأتي بماء !

**

ليست الخطب وحدها (عنترية) ..
حتى التدوينات والتغريدات لا تخلو من (عنتر) يختبئ وراءها!!

**

انتق كلماتك بعناية بالغة.
ما يبدو لك أو لصديقك دعابة لطيفة
قد يبدو لغيركما هجوما عنيفا،
أو – على الأقل –
فصلا من فصول سماجةٍ
لا تَعرِف أنت
أن الأقلام التي تكتبها
تتكاثر يوما بعد يوم !




حكايات الماء والطين (1)

 (1)
كان من عادة الناس في البناء بالطين أن يخلطوه بالتِّبْن المتخلِّف من أعواد القمح بعد دَوْسِه ونَزْعِ غالب حبه؛ ليكون أكثر تماسكا. وقد حكت لي أمي أن أباها كان يُمْكِثُ التبن في (غيلة) الطين إلى عشرة أيام قبل استخدامها في البناء، يتعهدها كل يوم بالتقليب وحسن الخلط | الغيلة: خليط التراب والماء، يُعْجَن حتى يصير طينا صالحا للبناء، والتسميةُ مأخوذة –فيما يبدو- من (الغَيْل) بمعنى الماء الجاري على وجه الأرض، أو نحوه.

(2)
حدثني أحد أهلنا أنه أدرك أمطارا بلغ من غزارتها أنها أنبتت التبن المخلوط في الطين على جدران المنازل وأسقفها. وحكى لي أن بدويا حضر أيام القيظ للقرية، فبنى (عريشا) من سعف النخيل وجعل في زاوية منه عمودا جافا من خشب شجر السمر، فلما هطلت الأمطار غزيرةً أنبتت ذلك العمود الجاف ورجع إلى أصله الذي كان منه.

 (3)
حكى لي أبي مرةً أنه اشترك -وهو فتى يافع- مع مجموعة من رجال القرية في بناء جدار لأحد البساتين، وقد كانت مهمته مع آخرين نقل الطين من مكان (الغيلة) إلى مكان البناء، حيث يتسلمه الصُّنَّاعُ ذوو الخبرة. ولأنهم لم يكونوا يملكون عرباتٍ (كتلك التي يستخدمها عمال البناء حاليا لنقل خلطة الإسمنت)؛ فقد كانوا يعمدون إلى (جِرابٍ) فارغ من التمر، فيثقبونه ثقبين في طرفي جانبه الأسفل، ويجعلون في كل ثقب عمودا خشبيا يتخلل الجراب من أسفله إلى أعلاه، فيصير حَمَّالة متينة، يتناولها اثنان من طرفيها. وقد ذكر لي بعض أساتذتنا تسميةً لحمالة الطين هذه، وهي (الزفارة).

(4)
حدثني بعض أهلنا، قالوا: إن عدد الأفلاج التي أنشئت في قريتنا (الحَبّي: من أعمال ولاية بهلا) وفي سوحها أكثر من عشرة أفلاج هي: العين، والطفيل، والصغيّر، والسمن، والفليج، والوديم، والحديث، والحافر، والبويرد، والعَيا، والواشحي، وفلج سيف، والمأثول، والقراح، وفلج راعي الشايبة؛ وإنهم أدركوا الستة الأولى منها، فيما سمعوا عن البقية وعرفوا مواقعها وبعض آثارها من آبائهم الأولين.

(5)
حكى لي أبي أنه اشتغل مرة في فترة من شبابه أجيرا عند صاحب بناء، في مقابل قرش واحد لكل خمسة أو ستة (أثواج) من الحجارة اللازمة لبنائه، يأتيه بها على حمار. والثَوْجُ هو حمولة حمار واحد. وكان يأتي بهذه الحجارة من وادٍ يقع على أطراف القرية. ولأن المسافة بين الوادي ومكان البناء بعيدة نوعا ما (حوالي كيلو متر)؛ فإنه ربما يقضي اليومين الكاملين في إنجاز هذا العمل، وليس له غير هذا القرش أجرةً فيهما | الثوج: وعاء من الخُوصِ لِلتُّرابِ والجِصِّ، ونحوهما!



الأحد، 10 أبريل 2016

مذكرات امتنان لله (3)



وأنت جالس في البيت..
تقرأ أو تكتب، أو تشاهد التلفاز، أو تنهمك في لعبة على هاتفك..
ينتابك الجوع فجأة..
تقوم من مكانك بكل سهولة ويسر،
وتتجه واثق الخطى إلى ثلاجة مليئة بما لَذَّ وطاب..
تعود إلى سابق حالك، وتنهمك فيما كنت عليه..
تشعر برغبة في الذهاب لدورة المياه..
تعود مرتاحا، وتنهمك في كنت عليه..
وهكذا ..
تذهب، وتعود إلى مكانك، وتنهمك، وتقوم مرة أخرى..
تتكرر هذه الحالة في اليوم والليلة عشرات المرات..
تخيل للحظة واحدة؛
أن قدمك لم تطاوعك فيما أنت مقبل عليه. تعطلت حركتها لسبب أو لآخر، فلم يعد بوسعك تحريكها أبدا..
يا إلهي!
أي شعور عظيم بالعجز والمسكنة والحاجة، ستكون عليه حينها..
وأي شعور ذاك حين تكون مقيدا في مسيرك ومجيئك بشخص آخر؛ قد يأتي وقد لا يأتي.. وإذا أتى فقد يأتي سريعا، وقد يأتي متأخرا..
أليس سجنا أن تعيش تحت وطأة الاحتمالات؟!.. بلى، فهي تقيدك بأوثق وأغلظ من قيد الحقيقة المرة لحالك الضعيف..
تخيل هذا جيدا، وارجع شاكرا ممتنا لما أنت فيه من الصحة والعافية والقدرة والحرية..
وتذكر أن تقول ملء فمك وقلبك:
(الحمد لله) !