الاثنين، 19 سبتمبر 2016

خواطر ثقافية | (3)

(3)
أقترح على المثقفين العلمانيين أن يتقبلوا -أو يتفهموا (على الأقل)- انطلاقا من مبدأ حرية التعبير (على الأقل أيضا)؛ أن يقول المجتمع المتدين المحافظ عن نص ينطق بخلاف ما يفهمه من أصول الدين وأعراف الحياة: إن في النص (كفرا) أو (خلاعة)، أو شيئا من هذا القبيل.. تماما، كما يمكن أن يقول المثقفون عن نَسَقٍ ما ينطق بخلاف ما يفهمونه من أصول الفكر والحياة التي ارتضوها لأنفسهم: إن في هذا (كفرا بالإنسانية) وخروجا على مقتضيات المدنية الحديثة. ماذا يضير (المثقف) الذي لا يرى في (الدين) و(الآداب المجتمعية) إلا قيدا؛ أن يوصف بالتحرر منهما؟ هل يرى المثقف الذي يتبنى آراء عاصفة حول القضايا الدينية المتفق عليها وأعراف المجتمع سُبَّة في أن يوصف نصه بـ (الكفر) أو (المجون)؟

***

(4)
أخي الأديب: أقرأ في بعض نصوصك الأدبية (قلة أدب). أرجو ألا تنزعج من كلامي هذا. لاحظ أنني أعترف لك بأدبية ما تكتب، ولكن حين أتذكر ما حفظته عن أبي وأمي وأهلي من آداب وسنن؛ فأنا لا أستطيع أن أقول إلا هذا. هل لاحظت أيضا أنني لم أفعل إلا أن مارست (حرية التعبير) التي تدعوني إليها؟!!..

***

(5)
ما زالت (حرية التعبير) في أذهان بعض المنادين بها تعني أن تكون هذه الحرية مكفولة لهم وحدهم (فقط).

***

(6)
ما زال عنوان مثل (المنهج العلمي) مطّاطاً لا حدود له، عند بعض من يزعمون الانتماء إليه والتمسك به. يكتب أحدهم، فيطلق الأحكام جزافا، ويسمي الأشياء تسميات انفعالية، ثم يقول إنما أنا محلل، مفكك، مفكر ... إلى آخر هذه الألقاب التي تبدأ بحرف (الميم). ثم حين ينبري له من يطلق عليه الأحكام –كما فعل-؛ يغمض عينيه قائلا ببرود: "رُدُّوا علي بالمنهج العلمي"..!

***


(7)
وأنت تحاول إنتاج نسخة جديدة لأصل قديم؛ كن شديد الحذر أن تكون النسخة الجديدة عبئا على الفن، وهمَّا في القلب، وخسارة في المال، وفضيحة مُدَوِّيَة!

الأربعاء، 18 مايو 2016

الكلمة والحكمة ..


أَلْقِ (الحكمة)،
وربما يلتقطها بعض السيّارة إلى عرش عظيم !

**

(الكلمة)
التي لا تَشْفي؛
قد تبعث على المرض!

**

قد يفتح الله بتأليف (الكتاب) من الألفة والمودة بين الناس؛
ما لا يَفتح ببذل الأثرياء أو بفعل الساسة!

**

بعض الكلام كالدواء؛
يصلح لشيء من العِلل أو المواضع، دون غيرها.
لاحظ أن ما تُسقى إياه في الأذن، قد يَمُجُّه الفم! ..
ومثل هذا ما تسمعه من كلام هنا وهناك؛
فقد يكون غير سائغٍ أن تجعله مادةً لكلامك.
إنما قيمته
في الاستماع إليه، والتعرف عليه؛
لا في التكلُّم به!

**

كل سؤالٍ لا يمُدّك بجديد أو مفيد؛
فَدَعْهُ،
وأفسح الطريق لسؤال غيره!

**

بعض الكلام
يذوي ( وربما يموت ) ؛
إذا تَخَلَّفَ عن موعده!

**

قد
تعيد الحروف والأشكال
التي نَنْثُرُها هنا أو هنـــــــــــــــــــــــــــــاك،
ما اختطفتْه الأيامُ منا على عجل .. !!

**

تعريف (الشيء) ؛
قد يكون سببا كبيرا في الإقبال عليه أو الإدبار عنه ..
ما أخطر التعريف!!

**

الأيام التي ينقطع فيها حبل الكلام؛ أيام كسولة عطشى..
لا شمسَ توقظ، و لا دَلْوَ يأتي بماء !

**

ليست الخطب وحدها (عنترية) ..
حتى التدوينات والتغريدات لا تخلو من (عنتر) يختبئ وراءها!!

**

انتق كلماتك بعناية بالغة.
ما يبدو لك أو لصديقك دعابة لطيفة
قد يبدو لغيركما هجوما عنيفا،
أو – على الأقل
فصلا من فصول سماجةٍ
لا تَعرِف أنت
أن الأقلام التي تكتبها
تتكاثر يوما بعد يوم !




حكايات الماء والطين (1)

 (1)
كان من عادة الناس في البناء بالطين أن يخلطوه بالتِّبْن المتخلِّف من أعواد القمح بعد دَوْسِه ونَزْعِ غالب حبه؛ ليكون أكثر تماسكا. وقد حكت لي أمي أن أباها كان يُمْكِثُ التبن في (غيلة) الطين إلى عشرة أيام قبل استخدامها في البناء، يتعهدها كل يوم بالتقليب وحسن الخلط | الغيلة: خليط التراب والماء، يُعْجَن حتى يصير طينا صالحا للبناء، والتسميةُ مأخوذة –فيما يبدو- من (الغَيْل) بمعنى الماء الجاري على وجه الأرض، أو نحوه.

(2)
حدثني أحد أهلنا أنه أدرك أمطارا بلغ من غزارتها أنها أنبتت التبن المخلوط في الطين على جدران المنازل وأسقفها. وحكى لي أن بدويا حضر أيام القيظ للقرية، فبنى (عريشا) من سعف النخيل وجعل في زاوية منه عمودا جافا من خشب شجر السمر، فلما هطلت الأمطار غزيرةً أنبتت ذلك العمود الجاف ورجع إلى أصله الذي كان منه.

 (3)
حكى لي أبي مرةً أنه اشترك -وهو فتى يافع- مع مجموعة من رجال القرية في بناء جدار لأحد البساتين، وقد كانت مهمته مع آخرين نقل الطين من مكان (الغيلة) إلى مكان البناء، حيث يتسلمه الصُّنَّاعُ ذوو الخبرة. ولأنهم لم يكونوا يملكون عرباتٍ (كتلك التي يستخدمها عمال البناء حاليا لنقل خلطة الإسمنت)؛ فقد كانوا يعمدون إلى (جِرابٍ) فارغ من التمر، فيثقبونه ثقبين في طرفي جانبه الأسفل، ويجعلون في كل ثقب عمودا خشبيا يتخلل الجراب من أسفله إلى أعلاه، فيصير حَمَّالة متينة، يتناولها اثنان من طرفيها. وقد ذكر لي بعض أساتذتنا تسميةً لحمالة الطين هذه، وهي (الزفارة).

(4)
حدثني بعض أهلنا، قالوا: إن عدد الأفلاج التي أنشئت في قريتنا (الحَبّي: من أعمال ولاية بهلا) وفي سوحها أكثر من عشرة أفلاج هي: العين، والطفيل، والصغيّر، والسمن، والفليج، والوديم، والحديث، والحافر، والبويرد، والعَيا، والواشحي، وفلج سيف، والمأثول، والقراح، وفلج راعي الشايبة؛ وإنهم أدركوا الستة الأولى منها، فيما سمعوا عن البقية وعرفوا مواقعها وبعض آثارها من آبائهم الأولين.

(5)
حكى لي أبي أنه اشتغل مرة في فترة من شبابه أجيرا عند صاحب بناء، في مقابل قرش واحد لكل خمسة أو ستة (أثواج) من الحجارة اللازمة لبنائه، يأتيه بها على حمار. والثَوْجُ هو حمولة حمار واحد. وكان يأتي بهذه الحجارة من وادٍ يقع على أطراف القرية. ولأن المسافة بين الوادي ومكان البناء بعيدة نوعا ما (حوالي كيلو متر)؛ فإنه ربما يقضي اليومين الكاملين في إنجاز هذا العمل، وليس له غير هذا القرش أجرةً فيهما | الثوج: وعاء من الخُوصِ لِلتُّرابِ والجِصِّ، ونحوهما!



الأحد، 10 أبريل 2016

مذكرات امتنان لله (3)



وأنت جالس في البيت..
تقرأ أو تكتب، أو تشاهد التلفاز، أو تنهمك في لعبة على هاتفك..
ينتابك الجوع فجأة..
تقوم من مكانك بكل سهولة ويسر،
وتتجه واثق الخطى إلى ثلاجة مليئة بما لَذَّ وطاب..
تعود إلى سابق حالك، وتنهمك فيما كنت عليه..
تشعر برغبة في الذهاب لدورة المياه..
تعود مرتاحا، وتنهمك في كنت عليه..
وهكذا ..
تذهب، وتعود إلى مكانك، وتنهمك، وتقوم مرة أخرى..
تتكرر هذه الحالة في اليوم والليلة عشرات المرات..
تخيل للحظة واحدة؛
أن قدمك لم تطاوعك فيما أنت مقبل عليه. تعطلت حركتها لسبب أو لآخر، فلم يعد بوسعك تحريكها أبدا..
يا إلهي!
أي شعور عظيم بالعجز والمسكنة والحاجة، ستكون عليه حينها..
وأي شعور ذاك حين تكون مقيدا في مسيرك ومجيئك بشخص آخر؛ قد يأتي وقد لا يأتي.. وإذا أتى فقد يأتي سريعا، وقد يأتي متأخرا..
أليس سجنا أن تعيش تحت وطأة الاحتمالات؟!.. بلى، فهي تقيدك بأوثق وأغلظ من قيد الحقيقة المرة لحالك الضعيف..
تخيل هذا جيدا، وارجع شاكرا ممتنا لما أنت فيه من الصحة والعافية والقدرة والحرية..
وتذكر أن تقول ملء فمك وقلبك:
(الحمد لله) !


الثلاثاء، 29 مارس 2016

أنا أحبك يا بنيَّ ..


عوَّدت أبنائي على أن أقول لهم بين الفترة والأخرى هذه العبارة: "أنا أُحِبُّكِ يا ابنتي/ أنا أحبك يا بُنَيّ"، ولقَّنْت كلاَّ منهم –بُعَيْدَ قدرته على نطق الجملة الطويلة- أن يكون جوابُه عليها: "أنا أحبك يا أبي"، وقد نجحنا –بحمد الله- في هذا الأمر.. فمن ثَمَّ أكسر الصمت أحيانا –في البيت أو السيارة أو حتى في المكان العام- بهذه الجملة التي أنتشي بتمريرها عليهم واحدا واحدا، منتظرا جوابهم الذي يتنزل عليَّ رضا وسرورا وسلاما. ورغم تكرار الإجابة على مسمعي بالكلمات نفسها والترتيب ذاته؛ فإن اختلاف أصواتهم الصغيرة بها، وأخطاء النطق الطفولية عند بعضهم حين يأتون بها –وربما لأمر آخر لم أتبيَّنه بعد-؛ يُنْزِلها مني منزلة الكلام الجديد الذي أسمعه لأول مرة. كأنما هو شيء جديد لم يسبق أن حدث من قبل، وكأنه النوايا الطاهرة البريئة تتوجه لأمر جميل.

كان في ذهني، وأنا أخترع هذا الأمر (يحلو لي أن أسميه هكذا)، أن أُشْبِعَهم من سماعها، وأن يكون لديهم ارتواء كافٍ منها؛ فلا يتطلَّعون إليها عند غريب تسوقه غاية غير محمودة العواقب، ولا يتسوَّلونها عند حبيب يضِنُّ بها عن جهل أو طبيعة نفس، وأن تكون أحد الروابط التي تربطني بهم على الدوام؛ فإذا التقينا وجها لوجه كانت حاضرةً بالتخاطب المباشر، وإذا افترقنا -فكان بيننا تواصل باتصال هاتفي أو مرئي، أو برسالة صوتية أو مرئية-؛ كانت جملة لازمة في مخاطبة كل واحد منهم، وتذكيره بذكريات تجمعنا!

ثم تطور الأمر إلى أن قمت بتأليف أنشودة بسيطة ذات مقاطع تتضمن هذه العبارة، بحيث نتعاور على ترديدها بنظام معلوم يتلاءم مع اللحن والإيقاع. وغالبا ما نفعل هذا حين نكون في السيارة، لاسيما في الرحلات الطويلة؛ فمَنْ يستمع إلينا يحسبنا (الجَوْقَةُ) تستعد لحفل كبير. لاحظت أن بعضهم يضيف عليها حين الترديد ألحانا غير التي لقنتهم إياها، ويعززها بزخرفات في اللحن –كمثل تلك التي يسمعونها في أناشيد (قناة طيور الجنة)- بما يكشف عن شعورهم بالانتماء لها وحبهم لأن تكون لهم بصمة واضحة فيها!

واتصلت ذات مرة بأمهم، وقد كنت خارج البيت؛ وتحدثت إليهم واحدا تلو الآخر، فنسيت أن أقول جملتنا المعهودة للزهراء التي تحدثت إليها أولا، فطلبت إلى أمها أن تعطيها الهاتف بعد إنهاء حديثي إلى أخويها اللذين ختمت كلامي معهما بجملتنا المعهودة، وقالت: "باباه.. ما قلت لي أنا أحبك يا ابنتي"!


أتخيّل أحيانا؛ كيف سأقول لهم هذه الجملة –إن مدَّ الله في العمر- وهم كبار قد جاوزوا سِنَّ البلوغ، ثم وهم متزوجون، ثم وهم آباء وأمهات يُقْبِلون عليَّ بأولادهم؛ فأجد أنها ستزداد عذوبة ولطفا، وأن وقعها وأثرها سيعظم في نفسي ونفوسِهم، فأحمد الله أنني استعددت لهذا الأمر من الآن؛ لأنها قد تكون فَجّةَ الوقع والأثر إذا جاءت لاحقا مبتورة من سبب أو نسب عريق كهذا..
**
الصورة أعلاه بريشة ابنتي الزهراء العميرية