الأحد، 17 فبراير 2013

ارحموا عزيز قوم ذل !!


في يوم من الأيام جاء لبنانيون إلى بلد ما. عملوا على إنشاء مخبز أو مطعم، وقالوا للناس: إننا سنبيعكم خبزا فريدا من نوعه. هو خبز صنعته أمهاتنا، واحتفى به آباؤنا، وعرفناه مذ كنا صغارا.. إنه لذيذ وجميل، وسيعجبكم!.. ثم ما لبثت هذه الحادثة أن نشأت أمثالها وتفرقت أخبارها في أصقاع مختلفة من الأرض العربية وغيرها، فسمع الناس بشيء اسمه (الخبز اللبناني)، وكان حلا لمشكلات البعض الذين لم يكن لهم منتجٌ معين من الخبز ذي هوية متصلة ببلدانهم، كما طغى عند البعض الآخر على ما عندهم من خبز بلدي مرتبط ببلدانهم مُتصلٍ بهويتهم، وهو الأمر الذي حصل عندنا في عُمان!

لله درهم هؤلاء اللبنانيون!.. لقد أحسنوا إلينا.. لا شك في ذلك و لا مراء، ولكنهم أحسنوا إلى بلدهم وشعبهم وتراثهم وحضارتهم بأكثر مما فعلوا لنا، وكذلك صنع الهنود الذين جاءوا بخبز (البراتا)، والباكستانيون أصحاب خبز (التنور)، والأتراك الذين يختلفون في تسمية نوع من الخبز يشيع في مقاهيهم إلى لاحقتين، (العربي) و(التركي)!

ماذا فعلنا -نحن العمانيين- مع خبزنا الذي لا نكاد نراه في أسواقنا، و لا يستلذه بعض أولادنا وإخواننا في البيوت، وتستصعب بعض الزوجات – إن لم يكن كثير منهن، هذه الأيام- صُنْعَه في البيوت، لأنهن يجدن في شراء الأنواع الجاهزة الأخرى من الخبز الوافد حلا سهلا، فليس أسهل من الشراء.. و كم في (الفلوس) من حلول!! .. أقول: ماذا فعلنا للنهوض به، طعاما ذا كفاية في البيوت، وسلعةً محترمةً في الأسواق، ومنتجاً ذا دلالة على حراك حضاري معين؟!.. ماذا فعل القطاع الشعبي وماذا فعل القطاع الرسمي؟

لقد فعلت حسنا بعض مقاهي الشاي -التي انتشرت بشكل كبير مؤخرا- حين جعلت (الخبز العماني) بشكله وطعمه المعروف ضمن قائمة ما تقدمه من خدمات، إلى جانب أنواع الشاي المختلفة. ورغم أنها لا تسميه – إن لم تخني الذاكرة – (خبزا عمانيا) بل (خبز الرقاق) فيما أحسب، فإن لها فضلا –بشكل أو بآخر- في إعادة الاعتبار لهذا العنصر الجميل في المائدة العمانية، والذي أظن –والله أعلم- أنه سجل حضورا – يتفاوت مداه (بالطبع)- في كل بيت عماني، فهو إلى حد كبير شبيه بالحلوى التي أصبحت صفة (العمانية) أصيلة فيها، من حيث كونه منتجا (عمانيا) ينبغي المحافظة عليه.

أما قبل هذا، فلم يكن الخبز العماني متاحا للبيع إلا في المطاعم الشعبية العمانية -إلى حد ما-، وما انتشر مؤخرا من قيام بعض رَبَّات البيوت بتسويقه بشكل فردي على المحلات القريبة من بيوتهن في أكياس شبيهة بالتي يوضع فيها الخبز اللبناني ذو الحجم الكبير. لقد كان يُصنع في البيوت فقط، لذا فإن منظره في الدكاكين يجعل منه منتجا فريدا من نوعه!
وبالرغم من هذا، فإن حضوره ما زال دون المستوى المطلوب بكثير، فبينما يحتلُّ الخبز الوافد بجنسيته السلال والرفوف، ينزوي كيسٌ يتيم من (الخبز العماني) خجولا، وتكاد تقول لبائع الدكان: "ارحموا عزيز قومٍ ذلّ"!

إزاء هذا الوضع أطلقتُ منذ أيام مجموعة من التغريدات على (تويتر) ونشرتها في (فيس بوك) تحت وسم (الخبز_العماني) بُغية إثارة رأيٍ عام في هذا الجانب، وتحريك الشعور لدى أهل بلدنا بأن هذا الموضوع لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه (فعلُ أكلٍ) أو (صنعُ طعامٍ) فحسب، وما يتصل بهما من تفضيلٍ شخصي أو كونه شأنا خاصا في بيت من البيوت. عَلَّقَ بعض المتابعين على هذه التغريدة: "وأنت تتلذذ بأكل #الخبز_العماني، علم أولادك أن هذا من حب الوطن!" –ما معناه-: يا لهذا الرابط العجيب!.. وقالت زوجتي العزيزة -وهي بالمناسبة، ممن يحسنَّ صنع الخبز العماني-، حين قلت لها: إنني لن أكتفي بالتغريدات، بل سأكتب مقالا في هذا الموضوع.. قالت في استغراب: مقال عن الخبز!!!!..

أعترف أنني أحب (الخبز العماني) لأمرين: من جهة لذة الغذاء فيه، ومن جهة ارتباطه بالوطن، ودلالته على حضارة أسلافنا ونشاطهم في كل الميادين!.. والجهة الثانية هي التي تدعوني اليوم إلى تسجيل هذه الخواطر والانطباعات عن هذا الموضوع، مقترحا في سبيل ذلك على الجهات المسؤولة أن تشترط على صاحب أي مطعم أو مخبز أن يكون (الخبز العماني) عنصرا أصيلا في قائمة خدماته، أو أن يَعْمَدَ أصحاب المطاعم والمخابز إلى الاتفاق مع ربات بيوت لعمل كمية يومية من الخبز – في حال لم يتقن عمال هذه المحلات صنعه-، وبذلك تتوفر فرصة عمل طيبة لنساء قد تمنعهن ظروف أسرية أو منزلية من الخروج إلى العمل، فيما يعانين من قلة في الموارد، لا سيما المطلقات منهن والأرامل وغيرهن من ذوات الدخل المحدود.  

وكما أعلنت الحكومة عن اهتمامها بالحرف التقليدية، فأنشأت هيئة حكومية لرعاية هذا الجانب، وأعلن جلالة السلطان مؤخرا عن أوامره بإنشاء كلية الأجيال، فإننا نرجو أن نسمع بتوجيهات مماثلة بإنشاء مخابز حكومية أو مؤسسة تعنى بتدريب الشباب من الجنسين على حرفة في هذا الشأن، أو أن يضاف إلى تخصصات كلية الأجيال قسم للحرف الغذائية ذات علاقة بالحلوى والتمور والخبز وغيره، والله الموفق..

الاثنين، 11 فبراير 2013

صنع في سلطنة عمان.. !!



فاجأني الرجل، وربما فاجأ كثيرين غيري. لم أكن أتصور أن يكون بمثل تلك التلقائية. الصورةُ النمطيةُ في أذهانِنا عن كثير من المسؤولين ممن هم في منزلته أو أعلى منها، أنهم يأتون بالكلمة فيُخْفون عَشْراً وراءها، ويُجيبون كما لو أن الكلام معهم سلعةٌ لا تؤدى إلا بقدر الثمن المدفوع. وما تزال هذه الصورة النمطية -التي تشكلت في أذهاننا عبر السنين- تسيطر على أي تصور نضعه في خيالنا عمن نجهله من المسؤولين البارزين.

خطر ببالي بعد الجلسة الحوارية الجميلة ليلة أمس، أن هذا الرجل تنطبق عليه جملة (صُنع في سلطنة عمان) بامتياز. لقد شعرت منذ وصولي إلى القاعة أنه رجل منا، من أهل بيتنا. شرب من هذه الأرض التي نشأنا فيها، وعاش تحت سمائها. حتى أن بعض الحاضرين أشار إلى قريب من هذه الفكرة، حين قال عن الرجل في معرض ثنائه على الجهود الوطنية المخلصة للهيئة العامة لحماية المستهلك: "إنه ليس بغريب على د.سعيد الكعبي، وقد شرب من مياه (محضة)!!".. لماذا يراودنا أحيانا شعور صارم بأن بعض المسؤولين البارزين من طينة أخرى، بل ويتطرف لدينا هذا الشعور أحيانا فيُرينا المسؤولَ كائنا من عالم آخر!!

كانت الكراسي في مجلس الإثنين في النادي الثقافي ممتلئة عن آخرها، -ربما– على غير العادة. خطر ببالي أن في كلمة (المستهلك) عنصرا مهما من عناصر جذب الناس إلى هذا اللقاء. لأن المستهلك هو (أنا).. المواطن البسيط، وهذا الرجل رئيس الهيئة التي تحميني!.. دقق في كلمتي (أنا) و (تحميني)، تجد فيهما ما يؤسس لشعور عام بانتماء المواطنين كلهم إلى هذه المؤسسة، لا سيما بعد الفتوحات الأخيرة في كشف تلاعبات التجار الصغار والكبار في السوق، وبعد تصريحات رئيس الهيئة التي هزت الستار المضروب على التداخل الفج بين الوزارة والتجارة، وهو ما سيعزز على الأيام الشعورَ المذكور. بينما قد يغيب أحيانا شعور المواطن بالانتماء إزاء مؤسسات حكومية أخرى تقف على مجموعة واسعة ومهمة من الخدمات، ولكن تقصيرها –بقصد أو بجهل- فيما يناط بها من أدوار، يسهم في خلق فجوة عميقة بينها وبين المواطن، فتدور في بال المسكين الخواطر والمشاعر المذكورة أعلاه عن المسؤولين الذين يقودون زمامها.

كان الناس ينتظرون ما سيقوله الرجل بشغف، وكان ما قاله مطمئنا للجميع بأن الأمور تسير إلى تمام، وأن الهيئة تتطلع إلى دور أكبر في الأيام القادمة. لذا أرجو ألا تفاجئنا الأيام بغير ظننا الحسن في الرجل والهيئة فقد كان مما صرح به أنه سيستقيل إن ثبت أن أحدا ممن يعمل معه اشتريت ذمته وخان الأمانة، وأرجو ألا نسمع فجأة عن إقالة الرجل من منصبه أو إحالته إلى المستشارية خلال فترة وجيزة من مسؤوليته هذه بفعل تدخل التجار النافذين وأصحاب المصلحة، كما حصل -مرة- مع وزير سابق يظن فيه الإخلاص والأمانة؛ وجد نفسه في مواجهة مع بعضٍ ممن يجمعون بين السلطة والمال، فكان مصيره أن أزيح من وزارته.

**

الحمد لله أولا وأخيرا، والشكر لجلالة السلطان –حفظه الله- الذي وضع هذا الرجل في مكانه المناسب، والتحية الخالصة العطرة لسعادة الدكتور سعيد الكعبي رئيس الهيئة العامة لحماية المستهلك على جهوده الكريمة ومن معه من طاقم الهيئة، ثم تحية لكل مسؤول بارز يسعى مخلصا وأمينا لبناء هذا الوطن ورفعة شأنه، ويرى أنه ما جُعل في هذه المسؤولية إلا من باب التكليف لا التشريف.

الثلاثاء، 29 يناير 2013

متى يقدم العمانيون أنفسهم للعالم؟


"ﻟﻴﺲ ﺑَﻴْﻨَﻨَﺎ ﻭﺑَﻴْﻦ ﺍﻹ‌ﺑﺎﺿﻴﺔ ﺃﻳَّﺔُ ﻣﺸﻜﻠﺔ، ﻫﺆﻻ‌ﺀ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺣُﻜَّﺎﻣَﻨَﺎ ﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻣﻦ ﺍﻷ‌ﻭﻗﺎﺕ ﺣَﻜَﻤُﻮﺍ ﺑﻼ‌ﺩﻧﺎ، ﻭﻟﻮ ﺷَﺎﺅﻭﺍ ﻟَﺤَﻮَّﻟُﻮﻧَﺎ ﺟَﻤﻴﻌﺎً ﺇﻟﻰ ﻣﺬﻫﺒﻬﻢ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟَﻢ ﻳﻘﻒ ﺗﺴﺎﻣُﺤُﻬُﻢ ﻋﻨﺪ ﺣﺪِّ ﺃﻧَّﻬﻢ ﻳﺘﺮﻛﻮﻧَﻨَﺎ ﻭﺣُﺮِّﻳَﺎﺗﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻧَﺨﺘﺎﺭﻩ ﺑﻞ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺑِﺠﺎﻧﺐ ﺫﻟﻚ-ﺃﻳﻀﺎً-ﻳَﺒْﻨُﻮﻥَ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﻭﻳُﺴَﻠِّﻤﻮﻧَﻬﺎ ﺇﻟﻴﻨﺎ، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻫﻮ ﻣﺜﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳَﺠﺐ ﺃﻥ ﻳُﺤْﺘَﺬَﻯ، ﻓَﻌﻠﻰ ﺍﻟﻤﺬﺍﻫﺐ ﺍﻷ‌ﺧﺮﻯ ﺃﻥ ﺗﺘﻌَﻠَّﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ "...
**
المقطع أعلاه، من خطاب للدكتور عمر علي جمعة، النائب السابق للرئيس التنزاني، يرويه عنه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي –حفظه الله-، في اجتماع لافتتاح مسجدِ جماعة عمانية في الجزيرة الخضراء..
ذكرني هذا الكلام، بما كتبه الأستاذ الدكتور طارق الحبيب - أثناء زيارته للسلطنة مؤخرا -في صفحته على تويتر "عتبي الوحيد على أهل عمان أنهم لم يقدموا أنفسهم للعالم بمستوى ما يملكون من حضارة و فكر و رقي"، وما لفت انتباهي إليه أحد الأساتذة يوما، وقد كنا في جلسة يتشعب فيها الحديث، إلى حقيقة مهمة لم أنتبه لها من قبل، وهي أن (عُمان) منذ أن دخلت في الإسلام وهي تدار من قبل حكومات (إباضية)، وبالرغم من اختلاف توجهات هذه الحكومات المتعاقبة سياسيا، ورغم الحروب الداخلية التي دارت بين العمانيين أنفسهم، فإن التاريخ لم يشهد حربا قامت في (عُمان) على أساس مذهبي أو طائفي!..
*
صفحة مشرقة من التسامح المذهبي في عمان، تعكس المساهمة العمانية في نشر ثقافة السلم والأمن..
الحمد لله..
من حق العمانيين أن يفخروا بها، لكن من حق العالم عليهم أن يبلغوها..

الاثنين، 28 يناير 2013

من لم يكن معنا ، فهو ضدنا.. !!


لا يمكن اختصار الإصلاح في شكل أو طريق واحد. تختلف أفهام المصلحين ورؤاهم بتغير الزمان والمكان والمجتمعات التي ينتمون إليها، ولكل مقام مقال - كما يقولون-. والمصلحون العظماء النافذون هم الذين ينفتحون على خيارات واسعة وبدائل كثيرة، إن زكّاها فريقٌ أو خَفِيَ على فريقٍ وجاهتُها، فهذا لا يعني (موضوعيا) أنها الأبلغُ أَثَراً أو – في المقابل - ليست بذاتِ قيمة. العبرةُ بالنوايا الطيبةِ التي تسوقُها، ثم بآثارِها التي يلحظها المراقبُ المنصفُ أو المحايدُ.

هذا كلامٌ عام، والكلام الخاص أن بعض الناس في بلدنا؛ مسوقون بكلامِ سيئِ الذكر (بوش) حين تكلم في أثناء الترويج لمشروعه -الذي يسميه كذبا أو غباءً- (مكافحة الإرهاب): "من لم يكن معنا فهو ضدنا" !!.. أقول: إن بعض الناس، بحُسن نيةٍ أو بغيرها، وحتى إن لم يَتَبَنَّوْا ذلك بلسانهم، فإنهم بإصرارهم على أن يكون للإصلاحِ طريقةٌ واحدة، تجري بوسائلهم هم التي يرتضونها، إنما هم داخلون فيما تؤديه هذه الجملةُ من معان.

طريقة أصحابنا هؤلاء في الإصلاح –وهذا ، بالمناسبة ، حق مشروع لهم– كتاباتٌ جادة في المنتديات ولافتات محترمة في الشوارع وتجمعات خطابية في الميادين، وقد آتت بحمد الله أُكُلَها، واستبشر الناس بها خيرا. دَعْكَ من المخربين والمحرضين والسوقة، فليس أؤلئك من نعنيهم بهذا الكلام، فلا حق و لا شرعية فيما قاموا به. لكن الشيء غير المشروع عند من نعنيهم من المصلحين – أيا كانوا - أن يُلْزِموا الناس بطريقتهم المثلى – كما يرونها- ، و من لم يكن معهم في هذا السبيل فهو إما (جبانٌ رعديد) أو (صغيرٌ جاهل) أو (مُطَبِّلٌ متزلّف) ، وفي أحسن الأحوال (ضعيفٌ مُقَصِّر).. !!

ولأن هؤلاء شغوفون بالظاهر العاجل كما هي طبيعة الشباب المدفوع بالحماسة والعاطفة أكثر من الحكمة والتعقل، فإن (بعضهم) – للأسف الشديد- لا يُحْسِنُ الظنَّ في غيره ممن يرى غير رأيه، فيتطاولون على رموزٍ لهم في إصلاح المجتمع وتوجيه الناس والإرشاد إلى الخير قدمٌ راسخة، قضوا شطرا كبيرا من أعمارهم في هذا السبيل لا يبتغون من مخلوقٍ جزاءً و لا شكورا..

وإذا قيل لهذا (البعض) إن هؤلاء أصلحوا وما زالوا يصلحون، وقد أثمر حراكُهم -الذي كانت له وسائلُه الخاصة، التي ارتضوها عن قناعة واستشارة واستخارة- خيرا عظيما ننعم جميعا بظلاله وآثاره، وفي شهادات المنصفين والمحايدين من الداخل والخارج دلالة لمن كان له سَمْعٌ وبصر وفؤاد عاقل؛ قال لك بما يُشبه جواب الأحمق -الذي يُسْأَلُ عن الوقت فيجيب: كيف صُنِعَتْ الساعة؟!- : هل لهؤلاء رؤية وهدف وخطة عمل؟!!

لا يا إخوتنا الكرام.. كما أنه لا  سبيل إلى إنكار أن حراككم السلمي المشروع، والمطالب العادلة التي رفعتها الميادين؛ عادت بخير على الجميع، وأنه من حقكم على الدولة والشعب أن يُساق لكم الشكر العظيم، فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله.. فإنه – في الوقت ذاته - لا سبيل إلى نكران جهود فريق آخر كان يعمل في صمت، حركه إلى ذلك ظُلْمٌ يقع على المبدأ حين يحرك فريقا منكم الظلم الواقع على الأشخاص، وساقه إلى جهدٍ كريمٍ غيرةٌ على الدين والمجتمع والحرمات حين ساق غيره إلى جهده الكريم (أيضا) غيرةٌ على الحقوق والوطن والحريات.. ألم يحسنوا بعد هذا كله، ألم يقدموا للوطن والمواطن – وأنتم بعض من هذا – ما يرفع الشأن، ويحقق التطلعات الطاهرة، فلماذا الشكر لكم أنتم، ولهؤلاء الجحود والنكران.. "هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ" ؟..

ليس السكوتُ علامةً على الرضا دائما، كم من عاصفةٍ كانت مسبوقة بهدوﺀ. وليس كل ضجيجٍ علامةً على السعي الجاد، فكم من جعجعةٍ لا طِحْنَ من ورائها.. حسبُ كلِّ فريقٍ ما فعل، ولكل فريق أن يتخذ ما يشاء من الوسائل المشروعة دون إكراه من أحد. والأجر – أولا وأخيراً - على الله الذي لا تضيع عنده الودائع الطيبة و لا الأعمال الصالحة، والبركة - دائما - في الجهود المخلصة التي لا تسعى من وراء جهدها الوطني المخلص إلى الشهرة والبطولة والألقاب الفارغة.

وهمسة أخيرة، لكل عاقل أريب.. فإن من يضع نفسه في موقف المسؤولية الوطنية ينبغي له أن يتحلى بشيء من الإنصاف ليكون عدلا حين الفوز، والشجاعة حين تقسيم الغنائم ليعترف بجميل من سبقوه وآزروه، فيقول لهم: شكرا لأننا بنينا على جهودكم أولا ثم حققنا الفوز بمعيتكم.
إنه لولا فضل الله تعالى – أولا وأخيراً - ، ثم حكمة جلالة السلطان وجهود المؤسسة الدينية في عمان وعلى رأسها سماحة الشيخ المفتي وجهود القيادات المخلصة والحكيمة في مؤسسات المجتمع المدني عموما، لربما طالت ببعض الناس الوقفة وأعيتهم كتابة اللافتات وسالت الدماء غزيرة لا تُغْسَلُ بالماء.. فهي إذن جهودٌ مهمة أضافت إلى الحراك السلمي المشروع في الميادين وغيرها، بما أنتج هذا التغيير الذي ينبغي أن يقابل بشكر كل من أسهم فيه، فتلك سمةُ الذين لا يسعون في الأرض فسادا.. والله المستعان!

الأربعاء، 16 يناير 2013

هل كنت وفيا .. ؟!


أيها السَّاكنُ دوماً مقلتيّا
أيها الكائنُ غُنْماً في يديّا
أيها النابِضُ سِلْماً و رُقِيّا
أيها الناهِضُ حُلْماً عبقريا
وطني..
يا أيُّها الغَالي عَلَيّا !
****
كيف ألقاكَ
ومِنْ أينَ افْتِتَاحُ الشوقِ
في حَضْرتِك الملأى بألوانِ التلاقي والغيابِ
كيف أَرْعَاكَ..
وإنِّي كلما أَجْرَيْتُ أَحْلامي
على كفَّيْك عَطْشَى
خاطبتْني منكَ آياتُ السَّحابِ
وَطَنِي..
عندما مَرَّتْ على ظَهْرِكَ أقدامُ البنين
زادَكَ اللهُ جَلالاً وكَمَالا
وتَبَدَّيْتَ طَهُوراً و عَلِيّا !
****
أيها الماثلُ في روحي
قُرىً طيِّبَةَ النِّيَّاتِ
يلتقي فيها العُمَانيونَ أَغْصَانَ نَبَاتِ
أيها الخَالِدُ في المَجدِ قِلاعاً شامخاتِ
أَلْهَمَتْ أسوارُها الأحرارَ معنى التضحياتِ
أيها الحَيُّ
وكم في الحَيِّ من معنى الحياةِ!
أَنْتَ في الأرحامِ أَصْلِي وصِلاتي
وأنا النَّابِتُ في معنى السَّواقي إذ تسيلْ
وأنا المَجْبُولُ في جدرانِكَ السمراءِ من طينٍ أصيلْ
وأنا.. لو أَنْتَ عَرَّفْتَ الوفاءَ السَّرْمَدِيّا
كلُّ ما يَسْكُنُ في أَرْضِكَ من خَيْرِ النخيلْ
وطني..
كلما أُلقيتُ في التابوتِ وَحْدِي.. وإلى اليَمِّ قُذِفْتُ
رَجَعَتْنِي الرَضْعَةُ الأولى إلى أَرْضِكَ حيّا
وعلى عَيْنٍ من اللهِ صُنِعْتُ
وهنا تُلقى من اللهِ المحبَّاتُ عَلَيَّا
****
أيها المَسْكونُ حُبّا
أيها السَّاكِنُ في قَلْبِ العمانيين قَلْبا
كُلُّ من حَجَّ وصَلّى في تُرابِكْ
طافَ بين النَّاسِ يدعو:
حَفِظَ اللهُ عُمَانَ الخَيْرَ أَرْضَ الطيِّبِينْ
وسَعَى يَتْلو بِبَابِكْ:
"ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنين"
من أَدارَ المَشْهَدَ الرَّاضِي
على وَجْهِ الضُّيوفِ الزائرين ؟!
أنت أم أبناؤك الأبرار.. أم
رحمةُ اللهِ على البيتِ وأَهْلِ البيتِ
صُبْحاً وعَشِيّا
****
أيها الساكنُ دوماً مقلتيّا
ولقد أَبْصَرْتُ نورا
أيها الكائنُ غُنْماً في يديّا
ولقد أَمْسَكْتُ خَيْرا
أيها النابِضُ سِلْماً و رُقِيّا
ولقد يَمَّمْتُ بَحْرا
أيها الناهِضُ حُلْماً عبقريا
ولقد أُلْهِمْتُ شِعْرا
لَسْتُ بالشاعرِ لكنْ
هذه تجربتي في الحُبِّ..
هل كنتُ وَفِيّا ؟

الأحد، 13 يناير 2013

و ما أدراك ما القهر ؟!! ..



الصياغة الإخبارية أعلاه لا تصلح - في تقديري – لأن تكون في جريدة رسمية محترمة، تمثل الحكومة، وتطالعها فئات مختلفة في المجتمع وخارجه.. قد تصلح لرسالة نصية في (الواتس أب) بين صديقين، أو في جلسة تزول الكُلفة فيها بين أفراد الأسرة الواحدة، أو في لقاء بين اثنين في أحد الأسواق.. أما أن تكون في جريدة فهذا من وضع الشيء في غير محله على يد من لا يحسن الصنيع، و لا يرقى إليه!!

كلمة (القهر) توحي بأن ما حصل شيء عظيم عظيم لا يصلح معه إلا التأوه والوجع والألم، وأن ما حصل من خسارةٍ منشؤه الظلم - الذي لا يقاوم بسهولة، فلذا يصيب المظلوم بالقهر والغيظ-؛ لا من سوء تدبير الفريق الخاسر نفسه أو من يقف خلفه من مشرفين ومدربين وإدارة.. وهنا قد يقول قائلهم: (ولكننا لم نكن نعني هذه المعاني أبدا، ولم تخطر في بالنا أصلا!!).. هذه هي الكارثة إذن، ألّا يعرف المحرر الصحفي الألفاظ المناسبة لأداء معانيه، وأن تجعل الجريدة العامة التي هي منتج ثقافي في الأساس لتكون محلا لألفاظ تدور في الشارع أو في السوق!!!

وبالرغم من تحفظي على هذا التجييش الإعلامي الكبير لمسابقات كرة القدم، واختصار الوطنية أو محاولة التأسيس لربط عميق بينها وبين الدورات الرياضية أيا كان نوعها، والتسويق لها على أنها محك تختبر فيه وطنية المشجعين والمتابعين واللاعبين – لأن هذا من تسطيح الحقائق و تغليب المظاهر و شغل الناس بما لا يستحق أن ينشغل به - ، بالرغم من هذا كله؛ فإنني أرى أن الأجدى لجماهير اللعبة أن يستثار تفاؤلهم لا إحساسهم بالظلم، لأن سلاح التفاؤل أقوى، وهو خطاب العقلاء الحكماء في كل زمان ومكان، وهو الأداة التي تنهض بقدرات وإمكانيات الشعوب، فمتى يعي هذا محرروا الرياضة، الذين جعلوا – بحق أو بباطل– في مؤسسة إعلامية كبيرة، يراد منها - بجانب الوفاء بحقوق المواطنين الإعلامية - أن تكون أداة للنهضة العاقلة؟!! ..

لست ضد كرة القدم ، فمن منا لم يلعبها أيام الطفولة ، ومن منا لا يعاوده الحنين إليها بين الحين والآخر ، و أعترف أنني في أحيان نادرة جدا أتابع من باب الفضول المعرفي ما تكتبه الصحافة الرياضية، وأتابع الشوط الثاني أو حتى جزءا كبيرا من مباراة نهائية يكون المنتخب الوطني طرفا فيها.. لكنني ضد الاهتمام بها إلى هذه الدرجة، وضد الهم والغم والبكاء الذي يصيب بسببها، وضد التعويل عليها حتى لكأنها أعظم ما اكتشفه التربويون في تربية الأجيال وتوجيهها، وضد الكلام الذي يطول عنها بلا داع حتى لكأنها أعظم ما عرفته البشرية من علوم أو اختراعات..

الأحد، 6 يناير 2013

نحن نتصافح !!


عوَّدت نفسي بعد كل دخول إلى بيتنا، أن أصافح كل من فيه من أهلي، وأن أُقَبِّلَ يدَيْ والديَّ. نشأت هذه العادة عندي بعد أن وجهني أستاذي إلى أن أجعل لعلاقتي بأبي وأمي طابعا مميزا. كنت قد لاحظت قبل هذا، في المرات التي كنت أقضي فيها يوما كاملا عند جدي وجدتي؛ أن أخوالي وخالاتي يلقون عليهما في الصباح والمساء تحيةً ذاتَ طابع مميز. تتعالى أصواتهم، كل من مكانه، عند دخول الجدين أو مرورهما عليهم: "صْباح الخير أبوي.. صْباح الخير ماه"، وهكذا الشأن في المساء.. وكنت أسعد بأن أكون جزءا من هذا المشهد الجميل الذي لم أكن معتادا عليه مع أبي وأمي!

عندما طبقت الأمر في بيتنا، أردت أن أضيف إلى هذه التحية الجميلة، عنصرا آخر يجعل من التحية موقفا مميزا، ويصبغ علاقتي بوالدي بصبغة فارقة. قررت أن ألقي عليهما التحية ذاتها مقرونة بمصافحة يديهما وتقبيل ظاهرها. كان الأمر محرجا لي أول مرة، وكنت كأني مقبل على معركة فاصلة. تعجبت أمي وابتسمت، وقال أبي ساخرا: "عجيب.. ماذا يحدث اليوم؟!". لكنني واصلت الكفاح، وقلت في نفسي إنه لا مجال للتراجع بعد الآن!..

كنت أفعل هذا وحدي في البداية دون سائر إخوتي، وقالت لي أمي مرة عندما غبت عن البيت في دراسة صيفية لمدة شهرين: "لقد افتقدنا تحيتك في الصباح والمساء". لكن إخوتي تداركوا ما فاتهم بعد ذلك، فأضافوا إليها إضافة حسنة بأن جعلوها بعد كل صلاة، وصرنا نذهب لتحيتهما خمس مرات في اليوم والليلة، زرافات ووحدانا، وما زلنا كذلك، والحمد لله.

 أحاول أن يعتاد ولديَّ الصغيران على ذلك أيضا، فأتعمد أن أؤدي التحية المذكورة أحيانا عندما يكون أحدهما في حضني فيرى مني تجاه والديَّ ما أحب أن أرى منه هو مستقبلا تجاهي. والآن.. كلما دخلت إلى البيت، خَفَّتْ ابنتي لمصافحتي حين تسمع مني: "السلام عليكم"، ثم تُقَبِّلُ يدي، وأقول لها: "خْشوم" فتُدْني أنفها من أنفي، كما هي تحيتنا في القرية في المناسبات الرسمية وما يشبهها..

ولأن هذا السلوك أصبح شيئا عادياً جداً في حياتنا اليومية، فقد عجبتُ أشد العجب حين قال لي أحد الأصدقاء إنه لا يجرؤ على أن يحيي والده بأكثر من المصافحة، وقال آخر إن أياما تمر دون أن يفكر في أن تَلْمَسَ يدُه يدَ والدِه، وأخبرني ثالث إنه لا يتصور نفسه يقول لأبيه: "صباح الخير".. هنا تصير الحياة بين الأهل كالورقة اليابسة، سهلة الانكسار والتبعثر، خفيفة على الريح الخفيفة توجهها إلى مجاهل غير مأمونة؛ لذا حافظوا على المصافحة والتحية في البيوت..

يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا تَصَافَحَ الْمُسْلِمَانِ لَمْ تُفَرَّقْ أَكُفُّهُمَا, حَتَّى يُغْفَرَ لَهُمَا".. أسأل الله أن يغفر لنا ولكم، ولوالديّ وأهل بيتي جميعا..