الاثنين، 6 مارس 2017

وحي من الوحي (1)

"إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم"
يا إلهي .. هل فاتت الفرصة، فليس ينفعهم كثرة الاستغفار لهم، حتى ممن اصطفيته وطهرته؟ .. أعوذ بك ربي أن أكفر بك وبرسولك، وأن أكون من الفاسقين!

(*)

"ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون"
قد يؤتى الحَذِرُ من مأمنه، وقد يفاجأ المسيء على حين غِرَّة !

(*)

"من جاء بالحسنة فله خير منها، وهم من فزع يومئذ آمنون"
يوم القيامة، ستحتاج إلى حشد كل إنجازاتك الطيبة لتنجو؛ فأحسِن! .. الحسنة أمن في الدنيا والآخرة. الحسنة شجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين. الحسنة استثمار عوائده مضمونة.

(*)

"وكذلك اليوم تنسى"
اذكر ربك لتحيا بصيرا وتُحشر بصيرا. اذكر آياته وآلاءه، فتكون ممن يذكرون يوم يُنسى الغافلون. اللهم إذا نسيتك غافلا أو جاهلا؛ فلا تجعل حظي عندك هذا الرد! إلهي .. مهما قصرت في ذكرك، والإقبال عليك؛ فأنا في كل لحظة أحتاج بشدة إلى أن تذكرني بفضلك ورحمتك، حتى أكون مبصرا على الدوام، وأنجو من الحشر يوم القيامة في زمرة العُميان.. وفقني لذكرك يا إلهي، وذكر آياتك وآلائك؛ لأحيا بلا خوف ولا حزن!

(*)

"أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن"
إنما (رحمة الله) بعض جنوده؛ ينصر بها عباده؛ فيقوون من ضعف، وينتصرون من هزيمة، وينجون من هلاك. اللهم رحمتَك!

(*)

"ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"
أي إصرار ، واستكبار.. أي عداوة يحملها لنا الملعون!.. وانظر إلى ثقته وغروره: "فليبتكن"، "فليغيرن".. أما آن أن نخلف ظنه فينا؟

(*)

"ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا"
اللهم إني أعوذ بك من الظلم؛ صغيره وكبيره، ما علمتُ منه وما لم أعلم!

(*)

"ولكن مَتّعْتَهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا"
قد يُنسيك ما تعيش فيه من نعيم الدنيا ذِكرَ من أحسن إليك وشكره، ولكن تذكر أنك تسير بهذا إلى قحط لا رواء و لا رِيَّ بعده!


الثلاثاء، 24 يناير 2017

أبناؤنا جواهر ..

ذكر الحصري القيرواني صاحب كتاب زهر الآداب أن أعرابيا قال لأبيه: "يا أبتِ.. إن كبير حقك عليّ لا يُبطل صغيرَ حقي عليك، والذي تَمُتُّ به إليَّ أمتُّ بمثله إليك. ولست أزعم أنا سواء، ولكن لا يحق لك الاعتداء".
ذكرتني هذه المقولة بكتاب حمله إليَّ (الواتساب) قبل أسابيع، وقد شدني إليه عنوانه الطريف. لم أسمع بمؤلفه من قبل، ولا أذكر أنه مر عليّ في شيء مما قرأت. وبجوجلته (من البحث في جوجل) وجدت أنه طبيب واستشاري ومدرب في مجال التنمية البشرية. الكتاب للدكتور مسلم تسابحجي، وحين طالعت عنوانه: (أبناؤنا جواهر ولكننا حدادون) شعرت بتعاطف عجيب مع أولادي، كما يتعاطف الجواهري مع جوهرة وقعت بين يدي حداد –لم يعمل في حياته إلا في الحديد وأشباهه- ليصونها. والتعاطف هنا، وإن كان في أصله مدفوعا بعاطفة الأبوة؛ فإن له أبعادا فنية وثقافية وصحية واجتماعية، وقل ما شئت مما يخطر على بالك من أبعاد؛ فإن التربية شأن عظيم جدا لأنها تتعلق ببناء الإنسان.



يقع الكتاب في (132) صفحة، وتستطيع أن تقرأه في ظرف ساعتين تقريبا إن كنت متفرغا لذلك. وأكثر ما سيساعدك على إنهائه بسرعة؛ سلاسة أسلوبه، وسهولة عباراته، ووضوح أفكاره وارتباطها ببعضها، من جانب؛ ومن جانب آخر بُعْده عن الأسلوب العلمي الجامد، والنظريات التربوية وتفاصيلها التي قد تكون عاملا غير مشجع لدى البعض على القراءة في كتب التربية. يُشعرك الأسلوب –في لحظة القراءة على الأقل- أنك المعني وحدك من بين كل الآباء بمثل هذا الكلام، ليس لأن ما يقوله قد ينطبق عليك فحسب؛ بل لأنه يعتمد –إلى حد كبير- مستوى مسموعا في التعبير (في مقابل المستوى المقروء المعتاد في الكتابة). ثمة حوارات وأسئلة طويلة وقصيرة وقصص صغيرة تشركك بقوة في المشاهد والمعاني التي يتناولها الكاتب؛ حتى أن أحدا ممن قرأه وصف أسلوبه بأنه (خفيف دم)، تماما كما تصف شخصا تراه أو تسمعه، فتنسجم معه وتعجبك روحه المرحة.

يمكن تلخيص الكتاب في ثلاثة عناوين رئيسة هي: بناء الثقة، واصطياد الإيجابيات، وإعادة توجيه السلبيات. وهذه العناصر الثلاثة هي ما تقوم عليه الاستراتيجية الفعالة –بحسب الكاتب- في التربية. وبالمناسبة فإن الكاتب يرى أن مصطلح (تربية الأبناء) مصطلح مضلل، ويعلل هذا بأنه يعطي انطباعا أن المربي سيمسك بأدوات معينة ثم يتجه بها إلى أبنائه لتربيتهم وإصلاحهم، بينما ينبغي أن تكون التربية لذوات الآباء، وتوجيه الأدوات التربوية لإصلاحهم، وجعلهم قدوة صالحة يتعلم منها الأبناء؛ بلسان الحال لا بلسان المقال.

على كل حال؛ لا أريد أن أقدم هنا مزيدا من التفاصيل حول العناصر الثلاثة أعلاه، ولكني أحب أن أنقل لكم عبارة أعجبتني كثيرا، ويمكن من خلالها الدخول إلى الجو العام للكتاب. يقول: "على المربين أن يتواضعوا احتراما أمام عظمة الطفل، وأن يفهموا أن كلمة (الطفل) مرادفة لكلمة (المَلك)، وأن يشعروا بأن هذا الذي ينام بين ذراعيهم هو المستقبل بعينه، وأن من يلعب ويلهو الآن بين أقدامهم هو التاريخ بنفسه"!

بقي أن أقول إنه يمكن الحصول على الكتاب من دار الفكر في دمشق، كما يمكن الاطلاع على بعض ما نقلتُه من مقتطفات في صفحاتي الشخصية، وعلى المراجعات والانطباعات التي ساقها القراء حول الكتاب في (جوجل) أو موقع الكتب الشهير (www.goodreads.com).


الاثنين، 16 يناير 2017

قصة علامات الترقيم العربية

أحد موضوعات اللغة العربية التي لم أفكر في القراءة عنها أبداً: (الترقيم). كنت أرجع أحيانا إلى بعض المراجع للتأكد من صحة استخدام علامة ما في مكان معين، وغيرها من الأمور البسيطة التي يغني فيها مرور سريع خاطف.
وحين رجعت ذات مرة رجوعا متأنيا، بدت لي بعض المعلومات جديدة، لذا أحببت مشاركتكم إياها.
*
يعود الفضل في وجود علامات الترقيم المتداولة حاليا في الكتابة العربية إلى أحد الكُتَّاب الكبار في مصر. إنه العلامة أحمد زكي باشا، الذي قام بوضعها استجابة لطلب من ناظر المعارف العمومية في مصر آنذاك، أحمد حشمت باشا.
وقد ذكر في كتابه الذي سماه (الترقيم وعلاماته في اللغة العربية) أن الفضل في وجود مثل هذه العلامات يعود –ابتداءً- إلى أحد علماء النحو في روم القسطنطينية اسمه (أرسطوفان)، حيث كان أول من اهتدى لمثل هذه الطريقة في تقسيم الكلام المكتوب وتصنيفه، ثم توالت من بعده الإضافات والتحسينات من قبل علماء اللغات الإفرنجية، حتى بلغوا الغاية في ذلك.
وقد استفاد أحمد زكي باشا في عمله هذا من العلامات التي وجدها مبثوثة في كتابة اللغات الأجنبية، ومما استعمله النساخ المصريون في كثير من الكتب العربية، فكان أن قام بتعديل وضعها، بحيث يمكن كتابتها بالقلم العربي، من اليمين إلى اليسار، ثم أضاف إليها رموزا أخرى مما تدعو إليه طبيعة التركيب العربي.
ثم أوجد لعمله المذكور مصطلح (الترقيم)؛ مبررا ذلك بأن مادة (رَقَمَ) تدل على العلامات والإشارات والنقوش التي توضع في الكتابة وفي تطريز المنسوجات، ومنها أخذ علماء الحساب لفظة (رقم وأرقام).
ومن يرجع إلى الكتاب يجد أن أسماء بعض العلامات قد تغيرت –أو كادت- عن التسميات التي ذكرها أحمد زكي باشا في كتابه، فمثلا اختار هو للفاصلة اسم (الشولة) كما اختار لما يشيع عندنا باسم علامة التعجب (علامة الانفعال)، وسمى علامات التنصيص بـ (التضبيب).
بقي أن أقول إن الكتاب موجود بصيغة (PDF) على الشبكة، ويمكن تحميله مجانا من موقع مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة (ناشر الكتاب)، من هنا .. 



الاثنين، 9 يناير 2017

مقتطفات | كتاب (أبناؤنا جواهرولكننا حدادون) | د.مسلم تسابحجي

أنهيت أمس مطالعة كتاب صغير عن تربية الأولاد، لفت انتباهي إليه عنوانه هذا: (أبناؤنا جواهر ولكننا حدادون) لمؤلفه الدكتور (مسلم تسابحجي). كتاب جميل ممتع، تستطيع أن تقرأه في ظرف ساعتين تقريبا إن كنت متفرغا لذلك. أسلوبه لطيف، وأفكاره مرتبطة ببعضها، فالقارئ ينتقل من فكرة لأخرى بسلاسة ومرونة. أنقل لكم هنا مقاطع منه، فمن شاء ملخصا عاما فإنها تكفيه، ومن أراد أن يستزيد فعليه بالكتاب كاملا، و هو موجود بصيغة (PDF) على الشبكة ..








الاثنين، 26 ديسمبر 2016

تسليع اللغة العربية

حين زار الداعية المعروف د.عائض القرني السلطنة في فترة سابقة، ذكر خلال لقاء تلفزيوني، في معرض حديثه عما لفت انتباهه في البلد؛ أن الجهات الرسمية تدفع باتجاه تعريب التسمية لكثير من الأشياء التي يشيع في بلدان أخرى تسميتها بمسماها الأجنبي الشهير، كـ(الهاتف) -مثلا- بدلا من (التيلفون)، و(شبكة المعلومات العالمية) بدلا من (الإنترنت)، وغيرهما من التسميات، وكان يورد هذا في سياق ثنائه على عمان وحفاظها على هويتها العربية والإسلامية.

لقد كان هذا ملاحظا لمن يدقق النظر في كثير من الشؤون الحكومية العامة. وفي هذا السياق؛ كان يبدو أن الجهات المسؤولة في وزارة التجارة والصناعة تفرض على أصحاب السجلات التجارية –لاسيما تلك المؤسسة أصلا في عمان- استخدام التسمية العربية، فقد كان هذا ظاهرا في لافتات كثير من المحلات التجارية المعروفة. بل إن الموظفين ذوي العلاقة في بعض دوائر الوزارة يرفضون بعض التسميات التقليدية المعروفة في اللهجة، – أقول ذلك من خلال تجربة شخصية-؛ ويدفعون باتجاه استخدام اللفظ العربي الفصيح أو القريب من الفصيح.

غير أن كثيرا من هذا تغير في الآونة الأخيرة. ثمة تنازل ظاهر لا يخفى عن هذا المنهج الذي اختطته الحكومة؛ فبعد أن تقبلنا على مضض مسميات المراكز التجارية مثل (مول) و(هايبر ماركت)، جَرَّتْ هذه التسميات الأجنبية تنازلات أخرى كثيرة في التسمية والترجمة. ولست أدري لصالح من تجري هذه التنازلات! أتكون ضريبة الانفتاح على شركات عالمية، أم أن وجود عمالة وافدة كبيرة هو الذي يزيّن لأصحاب الأموال تسمية محلاتهم بهذا الشكل لتكون أكثر جاذبية.. أم هي موضة ضمن قوافل الموضات التي تمر علينا بين حين وآخر.. لست أدري!

لست أدعو –بطبيعة الحال- إلى التشديد على العلامات التجارية القادمة إلينا من وراء البحار بتسمياتها العالمية، وإنما أدعو إلى التمسك بما درجنا عليه من الإصرار والاعتزاز بمفردات لغتنا العربية الجميلة، ففيها من السعة والجاذبية ما لا يؤخرها عن منافسة غيرها من اللغات في هذا الجانب؛ بل ويتفوق بها على كل منافس.

ولعل هذا التنازل هو الذي جرأ العمالة الوافدة (غير العربية) على عدم مراجعة اللوائح التجارية والمنشورات ذات الصلة، فكم طالعنا أخطاء كثيرة (مضحكة مبكية) في كتابة أسماء المحلات التجارية، وعروض المراكز التجارية، وقوائم الطعام في بعض المطاعم، وترجمة بعض العبارات الترويجية، وغيرها. أخطاء لا يقع فيها العربي حتى ممن لا يُحسنون الفصحى. ولو أن الجهات المسؤولة ألزمت المؤسسات التجارية وغيرها بتدقيق منشوراتها لدى مختصين لغويين قبل الموافقة على نشرها؛ لما وقع مثل هذا العبث بلغتنا العزيزة، لغة القرآن وأحد العناصر الفاعلة في هويتنا الحضارية.

ولو أن هذا حدث؛ فإنه سيوفر –إلى جانب الحفاظ على اللغة- فرصا وظيفية للمتخصصين العمانيين في اللغة العربية والترجمة، وهو ما يتحول باللغة العربية إلى أن تكون أحد الموارد الاقتصادية في المدى البعيد. وهنا أتذكر ما ساقه مغردون عمانيون تحت وسم (تسليع اللغة العربية) في (تويتر)، وعلى رأسهم الداعية المعروف ش.عبدالله العيسري، من أفكار في هذا الجانب، وكان منها أيضا تشجيع العمالة الوافدة على تعلم اللغة العربية لتكون معيارا وظيفيا يتفاضل به الموظفون في الشركات وغيرها، كما هو حاصل مع اللغة الإنجليزية.

ولو أن هذا حدث؛ فلن تدخل مطعما لتجد في أحد منشوراته الترويجية مثل هذه العبارة: (توصيل مجانن لحد 5 كيلومتر والطلبية ما يكن أقل عن 5 ريال)، وربما لن تزور مطعما هنديا في روي، تُعَلَّقُ على البناية التي يقع فيها لافتة كبيرة مضاءة، مكتوب عليها باللغة الإنجليزية (World’s NO. 1 INDIAN VEGETERIAN RESTAURANT CHAIN )، وأسفل منها الترجمة العربية الآتية: (العالم في سلسلة نباتي مطعم الهندي رقم 1)!!





الاثنين، 19 ديسمبر 2016

حلب تُباد !


رفع السوريون صور بشار الأسد أولَ ما بدأوا ثورتهم. لقد كانوا يهتفون باسمه، وكانت مطالبهم إصلاحات معينة محددة. كان في قدرة الأخير تلبيتها لولا أن أخذته العزة بالإثم. ثم أخذت المعارضة بالتوسع في المدن السورية، الواحدة تلو الأخرى، وتحولت شيئا فشيئا إلى معارضة عسكرية في كيان يسمى الجيش الحر. ولو أن السوريين تركوا عند هذه النقطة، لربما كانوا قد وصلوا إلى حل وسط، وسلمت البلاد والعباد من كل هذا التدمير الهائل.

ولكن لاعبي السوء –في الشرق والغرب- لم يتركوا سوريا لتحل مشكلاتها وحدها. لقد رأوا في الشعب والنظام –على حد سواء- غريما يرجعون من وراء إسقاطه بالغنائم.

لقد كذب الذين ساندوا النظام، فدمر المدن، وأباد كثيرا من الخلق؛ لقد كذبوا حين قالوا: إننا أصدقاء سوريا..
ولقد كذب الذين ساندوا المعارضة، مدفوعين بحس طائفي بغيض، فأثمر تدخلهم عن نعرات وسجالات، ما كان أغنى سوريا عنها!
لقد كذبوا، وكذب من شايعهم؛ وفي بحر كذبهم الكبير يضيع صدق الأنقياء، وتزهق أرواح الأبرياء؛ فتبكي عليهم الأرض والسماء، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

*


اللهم إني أبرأ إليك من كل ظالم، صغيرا أو كبيرا، معروفا أو مجهولا، آمرا أو مأمورا. اللهم أنزل رحمتك ولطفك على كل بريئ في أرض سوريا. اللهم اهد الجميع إلى كلمة سواء.

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

الاحتفال بالحقيقة الوطنية ..

نعيش هذه الأيام أجواء الاحتفال بيوم وطني عظيم. يوم كان له ما بعده. اليوم الذي ولد فيه قائد النهضة العمانية الحديثة، حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم –حفظه الله ورعاه-، فأصبح –بما قدمه للوطن والمواطن- رمزا وطنيا تاريخيا مخلصا، ستذكره الأجيال العمانية المتعاقبة على الدوام، كما تذكر القادة العمانيين العظام الذين سَجَّلهم تاريخُ هذا البلد العظيم، وتاريخ المنطقة عموما. ومن هذه الرمزية تنبثق فكرة الاحتفال بالعيد الوطني في كل عام.

لكن هذه الفكرة، ما تزال عند البعض منا فكرة مشوبة غير رشيدة ولا ناضجة. إنها فكرة مستلبة في اتجاه (الشكل)، فيما يغيب –أو يكاد- (المعنى) الكامن فيها، كثيرا من الأحيان. وفي (الشكل) أشكال مختلفات توحي بعدم استقرار المعنى، فمنها ما ينحو منحى العرس الاجتماعي، ومنها ما يشبه فعالية رياضية، ومنها المطبوع بطابع مدرسي صرف، وآخر أقرب إلى أن يكون تسويقا تجاريا أو اجتماعيا، وهكذا!

وهنا لست أدعو إلى تفريغ الفكرة من شكلها الفرحي، كلا، بل أدعو -من جهة- إلى إعادة توجيه هذه الأشكال بما يجعلها أكثر رشدا، وأبلغ أثرا، وأرجى نفعا؛ ومن جهة أخرى، إلى إعادة الاعتبار إلى (الجوهر) الذي يكاد يغيب، حتى تستقيم في أذهاننا الحقيقة الوطنية الكاملة.

لقد قاد عاهل البلاد المفدى –حفظه الله ورعاه- ثورة حقيقية في اتجاه النهضة الشاملة، حتى أصبحت الدولة عصرية، وواصلت حضورها التاريخي الفاعل. ولقد صَدَّقَتْ أفعالُه كلماتِه التي قالها في مستهل حكمه: "أيها الشعب.. سأعمل بأسرع ما يمكن لِجَعْلِكُمْ تعيشون سُعَدَاء لمستقبل أفضل، وعلى كل واحد منكم المساعدة في هذا الواجب. كان وطننا في الماضي ذا شهرة وقوة وإن عملنا باتحاد وتعاون فسنعيد ماضينا مرة أخرى وسيكون لنا المحل المرموق في العالم العربي".

وبالعودة إلى رمزية جلالته، فإن المعنى الأصيل في هذا اليوم الوطني المجيد هو التغيير باتجاه الأفضل، والإحساس العالي بالمسؤولية الوطنية والتاريخية، والاستمرار في البناء، وتعزيز الروح الخلاقة المبدعة، ودعم ثقافة السلام بما يجعلها قيمة استراتيجية في الداخل والخارج؛ وبالعموم مواجهة التحديات صغيرها وكبيرة حتى تظل سفينة الوطن خفاقة الشراع، متينة الجسد والروح.

وكمثال صغير، أقول: ماذا لو أعلنت اللجنة الحكومية المشرفة على احتفالات البلاد بالأعياد الوطنية في كل دورة للعيد الوطني عن تدشين مشروع علمي أو ثقافي، أو تعزيز سلوك إيجابي؛ وأعلنت تسمية ذلك العام باسم هذا المشروع، موعزةً للمؤسسات الحكومية والأهلية بالتفاعل معه، بحسب مجال عمل كل جهة. أسوق هذا كمقترح، وإلا فإن الأفكار والمقترحات ملقاة على قارعة الطريق –كما يقال-.

ومهما يكن من أمر، فإن في كل دورة لهذا اليوم الوطني فرصة لتوحيد الدعاء لوطننا الحبيب عمان بأن يديم الله عليها الأمن والازدهار، ولقائدنا المفدى بأن يحفظه المولى ويرعاه ويبارك في عمره، وللشعب العماني الكريم بأن يدوم تآلفه وتقوى في الخير صلاته. اللهم آمين.